بين العقوبات والانفتاح: سوريا أمام مرحلة مالية جديدة
20-05-2026 09:33 AM GMT+03:00
تشكل مشاركة سوريا في اجتماع مالي مغلق ضمن مسار مجموعة السبع في باريس مؤشراً على انتقال العلاقة بين دمشق والغرب من مرحلة العزل السياسي إلى اختبار اقتصادي ومالي أكثر تعقيداً، يرتبط بإعادة دمجها في قنوات التمويل والمعايير المصرفية الدولية، بعد سنوات من الحرب والعقوبات الثقيلة، وفي ظل ضغوط معيشية متصاعدة داخلياً.
ويكتسب هذا الحضور أهمية خاصة لكون الاجتماع انعقد داخل إحدى أبرز دوائر التنسيق المالي والسياسي الغربية، حيث تُدار ملفات الدول الهشة وفق معايير المخاطر والامتثال والثقة بالمؤسسات. وبذلك، تتجاوز المشاركة السورية بعدها الرمزي إلى طرح أسئلة حول قدرة دمشق على بناء مؤسسات مالية شفافة، ومصرف مركزي قادر على التعامل مع النظام المالي العالمي.
وجاءت المشاركة في سياق التحضير لقمة قادة مجموعة السبع في حزيران/يونيو، ضمن مساعٍ لتقريب السلطة الموقتة من الاقتصادات الكبرى، حيث طُرحت سوريا وأوكرانيا ضمن نقاشات مرتبطة بالأمن الإقليمي والدولي.
وفي موازاة ذلك، اتخذ الانفتاح الأوروبي على دمشق منحى تدريجياً، إذ رفع الاتحاد الأوروبي قيوداً عن سبعة كيانات سورية، بينها وزارات الدفاع والداخلية، مع تمديد العقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بالنظام السابق حتى حزيران/يونيو 2027. كما وافق وزراء خارجية الاتحاد على إعادة تفعيل اتفاق التعاون مع سوريا ورفع قيود عن واردات تشمل النفط والذهب والمعادن الثمينة.
ويبدو أن المسار الغربي يقوم على اختبار تدريجي: فتح قنوات مع مؤسسات الدولة السورية الجديدة، مع الإبقاء على الضغوط المرتبطة بالمرحلة السابقة، وقياس قدرة دمشق على تحويل هذا الانفتاح إلى بنية اقتصادية ومؤسساتية مستقرة.
وعلى الخط الأميركي، حملت تحركات المبعوث توم براك بعداً سياسياً واضحاً، إذ ناقش مع الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق ملف “تعزيز التعاون الاقتصادي”، فيما ربط براك التقدم في المسار السوري بلقاء محتمل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في السعودية، ضمن إطار تخفيف العقوبات وإعادة تموضع سوريا إقليمياً.
لكن هذا الانفتاح يبقى مرهوناً بقدرة الداخل السوري على تحقيق تعافٍ اقتصادي فعلي، لا الاكتفاء بالاختراقات السياسية الخارجية.
في الداخل، برزت المؤسسة النقدية كأحد أبرز عناصر الاختبار، مع تعيين محمد صفوت رسلان حاكماً لمصرف سوريا المركزي، في تغيير هو الثالث على رأس المؤسسة منذ التحول السياسي، إلى جانب نقل عبد القادر الحصرية إلى كندا سفيراً، من دون توضيحات رسمية حول خروجه من الموقع النقدي، ما أعاد طرح تساؤلات حول استقرار القرار المالي.
على الصعيد الاقتصادي، انعكس هذا المشهد على الأسواق، إذ ارتفع سعر الدولار إلى نحو 13400 ليرة سورية، في مستوى يعيد التذكير بمرحلة ما قبل تخفيف العقوبات، وسط استمرار الجدل حول فعالية سياسة “حبس السيولة” في دعم الاستقرار النقدي.
وترافقت هذه التطورات مع إجراءات ضاغطة على الحياة اليومية، بينها تعديل وزن ربطة الخبز بدل رفع سعرها، ورفع أسعار الغاز والبنزين والمازوت، ما زاد الضغط على الأسر والنقل والزراعة، فيما تحولت الكهرباء إلى خدمة أعلى كلفة وأقل استقراراً.
وتعكس هذه السياسات إعادة ترتيب تدريجية لمنظومة الدعم وكلفة الدولة، في سياق محاولة التكيف مع متطلبات الانفتاح المالي الخارجي، وما يرافقه من شروط اقتصادية واجتماعية صارمة.
وفي ملف القمح، ارتفع سعر الطن من 46 ألف ليرة سورية جديدة إلى 55 ألفاً بعد اعتراضات المزارعين، في محاولة لتحقيق توازن بين دعم الإنتاج الزراعي وضبط كلفة الخبز على الدولة والمواطن.
ويتزامن ذلك مع إعلان برنامج الأغذية العالمي خفض مساعداته الطارئة من 1.3 مليون مستفيد إلى 650 ألفاً، ووقف برنامج دعم الخبز الذي كان يغطي حتى 4 ملايين شخص يومياً، في وقت يعاني فيه 7.2 ملايين سوري من انعدام حاد في الأمن الغذائي.
وبذلك، تتداخل ملفات القمح والخبز والمحروقات والكهرباء ضمن مشهد اقتصادي واحد، يعكس مرحلة انتقالية تحاول فيها دمشق التكيف مع شروط الانفتاح المالي الدولي، وسط اقتصاد منهك وضغوط معيشية متصاعدة.
ويطرح هذا الواقع سؤالاً محورياً يتجاوز المشاركة في الاجتماعات الدولية أو تغييرات المناصب النقدية: هل تمتلك سوريا بنية مؤسساتية واقتصادية قادرة على استيعاب شروط الانفتاح الخارجي؟ أم أن كلفة استعادة الثقة الدولية ستنعكس بشكل مباشر على المجتمع السوري؟
المصدر : وكالات








