حين تصبح المظلومية أقوى من القانون: العهد الجديد الذي يخاف من الطوائف أكثر مما يخاف على الدولة
22-05-2026 09:56 AM GMT+03:00
العفو العام يكشف ما هو أعمق من ملف قضائي
كان يُفترض أن يشكّل العهدالجديد بداية مختلفة للبنان المنهك من الانهيار والفوضى وتعطيل المؤسسات. فبعد سنوات من الشلل السياسي والانقسام الحاد، بدا وكأن هناك فرصة لإعادة بناء فكرة الدولة، خصوصًا مع حجم الدعم العربي والدولي الممنوح للمرحلة الجديدة، والخطاب الذي رافقها تحت عناوين الإصلاح واستعادة المؤسسات.
لكنّ الجدل حول العفو العام كشف سريعًا أن المشكلة في لبنان لم تكن يومًا مرتبطة بالأسماء فقط، بل بالعقلية التي تُدار بها الدولة نفسها.
فعند أول ملف حساس، عاد البلد مباشرة إلى القواعد القديمة: كيف يمكن تمرير التسوية من دون أن تشعر أي طائفة بالغبن؟ كيف يمكن الحفاظ على التوازن؟ وكيف يمكن تفادي غضب الجماعات السياسية والطائفية؟
وهكذا، تراجع مجددًا منطق الدولة أمام منطق إدارة الهواجس.
حين تصبح الطوائف أقوى من القانون
في أي دولة طبيعية، يُفترض أن يكون النقاش حول العفو العام نقاشًا قانونيًا بحتًا: من يستحق المحاكمة؟ من يشمله العفو؟ وما هي مصلحة المجتمع؟
أما في لبنان، فالقضية تُطرح بطريقة مختلفة تمامًا. فكل ملف يتحول تلقائيًا إلى قضية طائفية، وكل نقاش يبدأ من سؤال التوازن لا من سؤال العدالة.
هذا يطالب بالموقوفين الإسلاميين تحت عنوان المظلومية، وذاك يفتح ملفات العملاء أو المبعدين أو المطلوبين تحت العنوان نفسه، فيما يغيب السؤال الأساسي: أين القانون من كل ذلك؟
المشكلة أن العدالة في لبنان لم تعد مرتبطة بالحقيقة أو بالمحاسبة، بل بقدرتها على طمأنة الطوائف.
دولة تسويات لا دولة مؤسسات
ما يكشفه هذا الملف أخطر بكثير من خلاف سياسي عابر. فهو يؤكد أن لبنان لا يزال حتى اليوم يعيش بمنطق “دولة التسويات”، لا بمنطق المؤسسات.
فالقرارات الكبرى لا تُبنى على قواعد ثابتة، بل على موازين القوى والهواجس المتبادلة. كل خطوة تحتاج إلى غطاء طائفي، وكل قرار يحتاج إلى حساب دقيق للخسائر والأرباح بين الجماعات.
ولهذا، لا يبدو العفو العام مجرد ملف قضائي، بل اختبارًا فعليًا لمعرفة ما إذا كان لبنان قد دخل فعلًا مرحلة جديدة، أم أنه لا يزال يدور داخل الحلقة نفسها مهما تبدّلت العهود.
إذا كان القضاء عاجزًا… فماذا عن باقي الدولة؟
تكمن خطورة هذا الملف في أنه يرتبط مباشرة بفكرة العدالة نفسها، أي بالفكرة التي يُفترض أن تقوم عليها أي دولة فعلية. فإذا كان القضاء لا يزال يُدار بعقلية التوازنات والمحاصصة والهواجس الطائفية، فماذا يمكن انتظارُه من باقي مؤسسات الدولة؟
كيف يمكن الحديث عن إصلاح فعلي، فيما ملفات أساسية أخرى لا تزال تُدار بالذهنية نفسها؟ من التعليم إلى الإدارة العامة إلى ملف النازحين والخدمات والجامعة الرسمية، يعيش اللبنانيون يوميًا داخل دولة مرتبكة، عاجزة عن اتخاذ قرارات واضحة خارج منطق التسوية الدائمة.
حتى الطلاب باتوا يدرسون على أعصابهم، والموظفون يعيشون في ضبابية، والمواطن يتعامل مع مؤسسات لا يعرف إن كانت محكومة بالقانون أم بالتوازنات السياسية.
العهد الجديد… واختبار الدولة
المشكلة اليوم لا تتعلق فقط بالعهد السابق أو بمن سبقه. فالأزمة اللبنانية تجاوزت منذ سنوات مسألة الأشخاص، وأصبحت مرتبطة بطبيعة النظام نفسه.
لكنّ العهد الجديد كان أمام فرصة لإعطاء إشارة مختلفة: دولة تضع القانون فوق الحسابات الطائفية، وتتعامل مع الملفات الحساسة بمنطق المؤسسات لا بمنطق احتواء المظلوميّات.
حتى الآن، لا يبدو أن هذه القطيعة قد حصلت.
فالخوف من شعور الطوائف لا يزال أقوى من الجرأة على فرض معايير واضحة. والتوازن لا يزال يتقدّم على العدالة. وكأن لبنان، مرة جديدة، يبدّل الوجوه فقط… ويحافظ على القواعد نفسها.
أزمة لبنان الحقيقية
أزمة لبنان ليست فقط أزمة اقتصاد أو سياسة أو إدارة، بل أزمة ثقة كاملة بفكرة الدولة. فاللبنانيون لم يعودوا يخافون من غياب القانون فقط، بل من قانون قد لا يراعي توازناتهم الطائفية.
وهنا تكمن المعضلة الأخطر: حين يصبح الخوف من غضب الجماعات أكبر من الخوف على سقوط المؤسسات، تتحول الدولة إلى مجرد مساحة لإدارة الهواجس، لا إلى مشروع عدالة حقيقي.
لهذا، قد لا يكون العفو العام أخطر ملفات المرحلة، لكنه بالتأكيد واحد من أكثر الملفات التي كشفت حقيقة لبنان اليوم: بلد لا يزال يخشى المظلومية أكثر مما يسعى إلى العدالة.
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








