الهجرة والانقسام يهددان الوجود المسيحي… فهل تتحرك الكنيسة ورؤساء الأحزاب السياسية قبل فوات الأوان؟
26-05-2026 10:58 AM GMT+03:00
في زمن التحولات الجيوسياسية العميقة التي تعيشها المنطقة، وفي ظل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تضرب لبنان منذ سنوات، يجد المسيحيون اللبنانيون أنفسهم أمام تحدٍّ وجودي غير مسبوق.
فالمشكلة اليوم لم تعد مجرّد خلاف سياسي بين حزب وآخر، أو تنافس على موقع أو وزارة أو زعامة، بل أصبحت قضية ترتبط بمستقبل الحضور المسيحي نفسه في لبنان والمنطقة.
لقد دفعت الانهيارات المتتالية آلاف الشباب المسيحي إلى الهجرة بحثًا عن الأمان والاستقرار وفرص العمل والحياة الكريمة.
ومع كل شاب يغادر، يخسر لبنان جزءًا من تنوعه، وتخسر الطوائف المسيحية عنصرًا أساسيًا من عناصر بقائها ودورها التاريخي.
وإذا استمرت الهجرة بهذا الشكل المقلق، فلن تقتصر تداعياتها على البعد الديموغرافي فحسب، بل ستطال أيضًا التوازن الوطني داخل مؤسسات الدولة والإدارات العامة والمؤسسات الأمنية والعسكرية، فضلًا عن تأثيرها المباشر على الدور السياسي المسيحي الذي شكّل أحد أعمدة الكيان اللبناني منذ تأسيسه.
من هنا، فإن استمرار الانقسامات المسيحية ـ المسيحية لم يعد يُفهَم إلا بوصفه صراعًا على النفوذ والمكاسب، بعيدًا عن هموم الناس والمخاطر الوجودية التي تهدّد الحضور المسيحي في لبنان.
وهذا الواقع لم يعد مقبولًا لدى ما تبقى من المسيحيين الذين أنهكتهم الخلافات، وباتوا يتطلعون إلى وحدة الموقف والتعاون بدل الصراعات والانقسامات.
لقد سئم المسيحيون في لبنان من لغة التخوين والصراعات الشخصية والحسابات الضيقة، وبات المواطن المسيحي يشعر بخيبة أمل ونفور كلما تابع السجالات والمعارك الإعلامية العقيمة.
ففي وقت تُهدر فيه الطاقات في التنافس حول أي الكتل تمتلك عددًا أكبر من النواب، أو في معارك على رئاسة بلدية هنا ومنصب مختار هناك، أو حتى في تنافسات جامعية تنتهي بتخرّج الطلاب ورحيلهم عن لبنان، تبقى القضايا الأساسية المتعلقة بمصير الناس ومستقبلهم من دون أي حلول حقيقية أو رؤية إنقاذية واضحة.
فالمسيحي اليوم لم يعد يعنيه من يربح هذه المعركة أو تلك، بقدر ما ينتظر رؤية وطنية مسؤولة، وخطة إنقاذ حقيقية، وتفاهمًا يحفظ الوجود والدور والشراكة والمستقبل.
إن المطلوب اليوم ليس إلغاء التعددية السياسية أو إنهاء الاختلافات الطبيعية بين الأحزاب والتيارات، فالتنوع يبقى عنصر غنى في أي مجتمع ديمقراطي، لكن المطلوب هو الاتفاق على القضايا الكبرى والثوابت الأساسية: حماية الوجود المسيحي، وقف النزيف البشري والهجرة، الدفاع عن الدولة ومؤسساتها، الحفاظ على المناصفة والشراكة الوطنية، وتأمين مستقبل الشباب في أرضه ووطنه.
وفي ظل الاهتزازات الأمنية والسياسية التي تعيشها المنطقة، تبرز أهمية التمسك بالمؤسسات الدستورية والوطنية، وفي مقدّمها رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش اللبناني، لما يمثّله هذان الموقعان من صمّام أمان للاستقرار الوطني وحماية وحدة لبنان.
فالمسيحيون لطالما اعتبروا أن قوة الدولة هي الضمانة الحقيقية للجميع، وأن الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية ودعمه، إلى جانب دعم المؤسسة العسكرية التي تبقى الضامن للأمن والاستقرار، يشكّلان جزءًا أساسيًا من حماية التوازن الوطني والشراكة اللبنانية.
ومن هنا، فإن المطلوب من القوى المسيحية التعامل مع هذه المواقع بروح وطنية ومسؤولة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والخلافات السياسية، لأن إضعاف المؤسسات لا يصيب طرفًا واحدًا، بل يهدّد لبنان بأسره.
لقد أثبتت التجارب أن الانقسامات الحادة لا تنتج سوى المزيد من الضعف والعجز.
وعندما تتوحد المواقف المسيحية حول القضايا المصيرية، يصبح الصوت المسيحي أكثر قوة وتأثيرًا في المعادلة الوطنية.
أما حين تتحول الساحة المسيحية إلى مساحة صراعات مفتوحة، فإن الجميع يخسر، ويصبح الشباب أول الضحايا.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للكنيسة التي لطالما شكّلت مرجعية وطنية وروحية جامعة للمسيحيين في لبنان.
فالكنيسة اليوم مدعوّة إلى لعب دورها الحقيقي أكثر من أي وقت مضى، عبر تقريب وجهات النظر بين القوى المسيحية، وتشجيع الحوار والتلاقي بدل القطيعة والانقسام.
كما أن عليها أن تكون شريكًا أساسيًا في مواجهة الهجرة، من خلال إطلاق مبادرات عملية تساعد الشباب على البقاء في وطنهم.
فالشاب المسيحي لا يحتاج فقط إلى خطاب عاطفي يدعوه إلى التمسك بأرضه، بل يحتاج إلى مقومات حياة حقيقية: فرصة عمل، وسكن، واستقرار اجتماعي.
ومن هنا، يبرز سؤال مشروع: إذا كانت الكنيسة تملك مساحات واسعة من الأراضي والعقارات، فلماذا لا يُخصَّص جزء منها لإقامة مشاريع سكنية مدعومة للشباب المسيحي، تشجّعهم على الزواج والاستقرار والبقاء في وطنهم بدل الهجرة؟
فما قيمة الأرض إذا فرغت من أهلها؟ وما جدوى الأملاك إذا لم تعد هناك جماعة قادرة على التمسك بأرضها ورسالتها؟
إن مبادرات كهذه، بالتعاون مع رجال الأعمال والمؤسسات الاغترابية والجمعيات، يمكن أن تشكّل بارقة أمل حقيقية لجيل يشعر اليوم بأنه متروك لمصيره، وأن تفتح الباب أمام مشروع بقاء فعلي لا يقتصر على الخطابات والمواقف، بل يُترجم بأفعال تحفظ الإنسان قبل الحجر.
إن الحفاظ على الوجود المسيحي في لبنان لا يكون بالشعارات، بل بخطة متكاملة تبدأ بالمصالحة السياسية، وتمر بدعم الشباب، وتنتهي بإعادة الثقة بالدولة وبالمستقبل.
فلبنان من دون المسيحيين يفقد جزءًا من هويته التاريخية والرسالة التي قام عليها، والمسيحيون من دون الحد الأدنى من الوحدة يفقدون قدرتهم على حماية دورهم وتأثيرهم.
إنها لحظة مصارحة ومسؤولية.
وعلى قادة الأحزاب والقوى المسيحية أن يدركوا أن الناس لم تعد تهتم بمن انتصر على من في السياسة، بل بمن استطاع أن يحمي أبناءه من الهجرة واليأس.
المطلوب اليوم خطاب جديد، وعقلية جديدة، وشجاعة في تقديم المصلحة العامة على المصالح الحزبية والشخصية.
فهل تسمع الكنيسة وقادة الأحزاب المسيحية صرخة الناس قبل فوات الأوان؟
المصدر : Transparency News








