حافظت البنوك الكبرى في الإمارات والسعودية على توقعاتها المالية لعام 2026 دون تعديل جوهري، مستفيدة من متانة المراكز الرأسمالية واستمرار انخفاض تكلفة المخاطر الائتمانية، رغم تصاعد التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية واحتمالات انعكاسها على الطلب الائتماني والنشاط الاقتصادي في المنطقة.

وبحسب تقرير نشره موقع (AGBI)، جاءت هذه التوقعات بعد نتائج قوية للربع الأول من 2026، عكست قدرة القطاع المصرفي الخليجي على امتصاص الصدمات الجيوسياسية والحفاظ على مستويات ربحية مستقرة، في وقت يواصل فيه المستثمرون تقييم تأثيرات الحرب على السيولة والائتمان ومعدلات التعثر.
البنوك الكبرى تحافظ على توجيهاتها المالية

سجل «البنك الأهلي السعودي» (SNB) و«مصرف الراجحي»، أكبر مصرفين في المملكة، نمواً في الأرباح الصافية خلال الربع الأول بنسبة 7% و14% على التوالي، مدعومين باستقرار جودة الأصول وتحسن العوائد التشغيلية.

في الإمارات، حافظت البنوك الكبرى على أداء مستقر؛ إذ سجل «بنك الإمارات دبي الوطني» (ENBD) نمواً في الأرباح بنسبة 3% على أساس سنوي، مقابل تراجع طفيف بنسبة 2% لدى «بنك أبوظبي الأول» (FAB).

أشارت مجموعة «يو بي إس» المالية السويسرية (UBS) في مذكرة بحثية صادرة بتاريخ 18 مايو إلى أن البنوك السعودية والإماراتية أبقت بصورة عامة على توقعاتها لأرباح عام 2026 دون تغيير.
سياسة تحوط استباقية

عزّزت البنوك الإماراتية مخصصاتها الاحترازية خلال الربع الأول ضمن نهج إدارة مخاطر استباقي، ما يعكس قوة المراكز المالية واستمرار جودة الأصول عند مستويات مستقرة.

وأوضح رئيس أبحاث الأسهم لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى «يو بي إس»، جون بيس، أن هذه المقاربة تشبه إلى حد كبير الإجراءات التي اتخذتها البنوك خلال المراحل الأولى من جائحة كورونا، عندما رفعت المخصصات تحسباً لارتفاع التعثرات الائتمانية. 

أشار إلى أن معدلات التعثر خلال الجائحة جاءت أقل من التقديرات الأولية، ما أتاح للبنوك لاحقاً عكس جزء من المخصصات السابقة وتعزيز الأرباح. كما لفت إلى أن استقرار التقديرات الحالية يعكس متانة جودة الأصول لدى البنوك، مع استمرار قوة المراكز المالية وكفاءة إدارة المخاطر ضمن البيئة التشغيلية الراهنة.
هامش أمان إضافي للبنوك الإماراتية  

كشفت نتائج الربع الأول عن استمرار التحسن في مؤشرات جودة الأصول لدى البنوك الإماراتية الكبرى، مع تراجع نسب القروض المتعثرة لدى كل من «بنك أبوظبي الأول» و«بنك الإمارات دبي الوطني»، اللذين تبلغ قيمة أصولهما المجمعة نحو 738 مليار دولار وفق حسابات (AGBI).

وقال جون بيس إن البنوك الإماراتية دخلت الحرب من موقع قوة، مستفيدة من أدنى مستويات تاريخية للقروض المتعثرة وأعلى مستويات تغطية للمخصصات، ما وفر لها مرونة كبيرة في البيئة التشغيلية.

أضاف أن استمرار استرداد ديون كانت قد جرى تخصيص مخصصات لها سابقاً أسهم في دعم الأرباح، وعوض جزءاً من أثر المخصصات الاحترازية التي تم تكوينها خلال الربع الأول.

نمو أرباح القطاع المصرفي السعودي 

جاءت نتائج البنوك السعودية متوافقة إلى حد كبير مع توقعات السوق، حيث أسهمت المستويات المنخفضة للتعثر الائتماني في الحد من تأثير القيود التنظيمية المفروضة على بعض الرسوم المصرفية ومصادر الدخل غير المرتبطة بالفوائد.

إلا أن «سيكو بنك» (SICO Bank) البحريني أبدى تحفظات بشأن محدودية المخصصات الاحترازية التي رصدتها البنوك السعودية خلال الربع الأول مقارنة ببعض المؤسسات المصرفية الإقليمية الأخرى.

وأوضح محللو البنك أن غياب مخصصات إضافية كان أمراً لافتاً في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي السائدة، مشيرين إلى أن أرباح «مصرف الراجحي» استفادت من اتساع هامش الفائدة الصافي، بينما استفاد «البنك الأهلي السعودي» من ارتفاع استردادات خسائر القروض.

ووفقاً لشركة «كامكو إنفست» الكويتية، ارتفع صافي أرباح القطاع المصرفي السعودي بنحو 8% على أساس سنوي ليصل إلى 6.4 مليار دولار خلال الربع الأول، مدعوماً بانخفاض ملموس في تكلفة المخصصات.

في المقابل، أظهرت البيانات تباطؤاً ملحوظاً في النشاط الائتماني، حيث سجل نمو القروض أضعف وتيرة له منذ أكثر من ست سنوات، في وقت تراجعت القروض العقارية الجديدة إلى ما يقارب نصف مستوياتها السابقة.

وكان «البنك الأهلي السعودي» و«مصرف الراجحي» من بين أقل البنوك نمواً في محافظ الإقراض، بينما حققت بنوك أصغر مثل بنك «البلاد» وبنك «الإنماء» معدلات نمو أعلى على صعيد التوسع الائتماني.

وأكدت «كامكو إنفست» أن معظم البنوك لا تزال تتبنى نهجاً حذراً تجاه خطط التوسع الائتماني قصيرة الأجل، في ظل استمرار تقييم تداعيات التطورات الجيوسياسية على الطلب على التمويل ومستويات النشاط الاقتصادي.

تقييمات جاذبة  

على صعيد التقييمات السوقية، أشارت «يو بي إس» إلى أن البنوك السعودية تتداول عند مضاعفات ربحية مستقبلية تقل بنحو 21% عن متوسط القطاع المصرفي الخليجي خلال السنوات الخمس الماضية. 

كما تتداول البنوك الإماراتية بخصم يبلغ 17% مقارنة بالمتوسط التاريخي، بينما يبلغ الخصم لدى البنوك القطرية نحو 11%.

ويرى محللون أن أي تشديد إضافي للسياسة النقدية الأميركية قد يشكل عاملاً داعماً لربحية البنوك الخليجية عبر تعزيز هوامش الفائدة الصافية.

فبعدما كانت الأسواق تتوقع خفضاً إضافياً للفائدة خلال عام 2026، دفعت الضغوط التضخمية المتصاعدة المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعاتهم باتجاه احتمال رفع أسعار الفائدة مجدداً.

خلال اجتماعه الأخير في 29 أبريل، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة المستهدف ضمن نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75%، على أن يصدر قراره المقبل في 17 يونيو.

ونظراً لارتباط معظم العملات الخليجية بالدولار الأميركي، فإن البنوك المركزية في المنطقة عادة ما تحاكي تحركات الاحتياطي الفيدرالي، ما يجعل السياسة النقدية الأميركية عاملاً مؤثراً بصورة مباشرة في ربحية البنوك الخليجية.

قال جون بيس إن معظم البنوك الخليجية، باستثناء عدد محدود من البنوك السعودية، تستفيد من ارتفاع أسعار الفائدة عبر تحسين هوامش الفائدة الصافية، إلا أن هذه المكاسب قد تتعرض لقدر من التآكل نتيجة الحاجة إلى الاحتفاظ بمستويات مرتفعة من السيولة في ظل البيئة الجيوسياسية الحالية.

وأضاف أن تكلفة الاحتفاظ بسيولة إضافية تشكل عاملاً موازناً للمكاسب الناتجة عن ارتفاع العوائد، لكنها لا تلغي الأثر الإيجابي العام لارتفاع أسعار الفائدة على ربحية القطاع المصرفي.


المصدر : Erem Business