عندما تتحول الحرب إلى تجربة جماعة: الإنذارات الإسرائيلية وآثارها النفسية والاجتماعية في لبنان
31-05-2026 03:40 PM GMT+03:00
في الحروب لا يتوزع الألم بالتساوي. فالجغرافيا والسياسة والظروف العسكرية تجعل بعض المناطق أكثر عرضة للخطر من غيرها، وبعض المجتمعات أكثر احتكاكاً بالنار من غيرها. لكن ماذا يحدث عندما تستمر هذه الحالة لفترة طويلة؟ وما الذي يحدث عندما تشعر جماعة كاملة بأنها تدفع الثمن الأكبر بينما تبدو الحياة لدى الآخرين وكأنها تسير بصورة طبيعية؟
هذا السؤال لا يتعلق بالسياسة فقط، بل يدخل في صميم علم النفس وعلم الاجتماع، لأن الحروب لا تعيد رسم الخرائط فحسب، بل تعيد رسم العلاقات بين الناس وصورتهم عن أنفسهم وعن الآخرين.
منذ سنوات، أصبحت الإنذارات والإخلاءات المتكررة جزءاً من المشهد اليومي في جنوب لبنان. وقد تطورت هذه الإنذارات من مجرد رسائل عسكرية إلى ظاهرة نفسية واجتماعية قائمة بحد ذاتها. فالإنذار ليس مجرد دعوة إلى مغادرة مكان ما، بل هو إعلان بأن الحياة الطبيعية يمكن أن تتوقف في أي لحظة. إنه رسالة تقول للإنسان إن منزله لم يعد آمناً، وإن مستقبله القريب بات رهينة قرار عسكري يصدر من مكان بعيد.
ومع تكرار هذه الرسائل، لا يعود الخوف حدثاً استثنائياً، بل يصبح جزءاً من الحياة اليومية. يعيش الناس في حالة ترقب دائم، ويتحول التخطيط للمستقبل إلى مهمة شبه مستحيلة. حتى اللحظات البسيطة التي تشكل إيقاع الحياة الطبيعية تصبح محكومة بالسؤال ذاته: ماذا لو جاء الإنذار التالي؟
من منظور علم النفس، تمثل هذه الحالة شكلاً من أشكال الضغط النفسي المزمن. فالإنسان الذي يعيش تحت تهديد دائم يفقد تدريجياً الشعور بالسيطرة على حياته، ويصبح أكثر عرضة للقلق والتوتر واضطرابات النوم والإرهاق النفسي. أما الأطفال، وهم الفئة الأكثر هشاشة، فينشأ كثير منهم في بيئة يختلط فيها الشعور بالأمان بالخوف، والاستقرار بعدم اليقين، وهو ما يترك آثاراً عميقة قد تستمر لسنوات طويلة بعد انتهاء الأحداث العسكرية نفسها.
لكن التأثير الأعمق لا يكمن في الخوف الفردي، بل في الوعي الجماعي الذي يتشكل حول هذا الخوف. فالجنوب اللبناني ليس مجرد منطقة جغرافية؛ إنه مجتمع كامل له ذاكرته وتاريخه وشبكة علاقاته وقصصه المشتركة. وعندما يتكرر الاستهداف في المكان نفسه، تتكون لدى سكانه قناعة بأنهم ليسوا مجرد ضحايا ظرف عسكري، بل جماعة تتحمل العبء الأكبر من الصراع.
وفي البيئة الشيعية تحديداً، تتداخل الإنذارات الحالية مع ذاكرة طويلة من الاحتلال والاجتياحات والحروب والنزوح. ولهذا لا يُنظر إلى كل إنذار بوصفه حادثة منفصلة، بل كحلقة جديدة في سلسلة ممتدة من التجارب الجماعية. فالذاكرة لا تتعامل مع الأحداث منفردة، بل تربطها ببعضها البعض لتصنع سردية متكاملة عن الذات والعالم.
وهنا تبدأ الإشكالية الأكثر تعقيداً. ففي الوقت الذي يعيش فيه أبناء الجنوب تحت وطأة الخوف والنزوح والتهديد اليومي، تبدو الحياة في أجزاء أخرى من لبنان أكثر استقراراً. قد يكون ذلك أمراً طبيعياً بحكم اختلاف الجغرافيا وظروف الحرب، لكن الإدراك الإنساني لا يتعامل دائماً مع الوقائع بهذه البساطة.
فالإنسان الذي يعيش الخطر يومياً لا يقارن نفسه بالعدو فقط، بل يقارن نفسه أيضاً بمن هم داخل وطنه. وعندما يرى أن الآخرين يذهبون إلى أعمالهم وجامعاتهم ومقاهيهم بينما هو يفكر في النزوح أو حماية عائلته، يبدأ سؤال صامت بالتشكل في داخله: لماذا نحن؟
هذا السؤال لا يعكس بالضرورة رغبة في لوم الآخرين، بل يعكس حاجة إنسانية عميقة إلى الشعور بأن المعاناة مشتركة وأن الألم معترف به وطنياً وأخلاقياً. لكن عندما لا يجد هذا الاعتراف بالشكل الذي يتوقعه، قد يتطور الإحساس تدريجياً إلى شعور بعدم تقاسم المعاناة.
ومع الوقت، يمكن أن يتحول هذا الشعور إلى اعتقاد بأن الجماعة المتضررة تُترك وحدها في مواجهة مصيرها. وهنا لا يعود الأمر متعلقاً بالحرب فقط، بل بالعلاقة مع المجتمع ككل. فالإحساس بالعزلة الاجتماعية غالباً ما يكون أشد وطأة من الخسائر المادية نفسها.
علم النفس الاجتماعي يفسر هذه الظاهرة من خلال ما يعرف بفجوة الإدراك بين الجماعات. فكل جماعة تنظر إلى نفسها من الداخل وترى تفاصيل معاناتها الدقيقة، بينما تنظر إلى الآخرين من الخارج. ولهذا قد يرى أبناء المناطق المتضررة نوعاً من اللامبالاة أو عدم التضامن، بينما قد يكون كثير من أبناء المناطق الأخرى متعاطفين فعلاً لكنهم يعيشون بدورهم أزمات مختلفة أو يشعرون بالعجز عن التأثير.
غير أن المشكلة لا تكمن في النوايا بقدر ما تكمن في الانطباعات المتبادلة. ففي المجتمعات المنقسمة أو التي تعيش أزمات ممتدة، تصبح المشاعر أحياناً أقوى من الوقائع. وما يشعر به الناس غالباً ما يؤثر في سلوكهم أكثر مما تفعله الحقائق المجردة.
من هنا تنشأ أخطر النتائج المحتملة. فعندما تشعر جماعة بأنها تتحمل وحدها كلفة الحرب، قد تبدأ بإعادة تعريف علاقتها بالمجتمع الأوسع. ويصبح السؤال ليس فقط: لماذا نتعرض لهذا كله؟ بل أيضاً: أين الآخرون من معاناتنا؟
وإذا استمر هذا الشعور لفترة طويلة، فقد يؤدي إلى تآكل الثقة المتبادلة بين المكونات الاجتماعية. لا لأن هناك عداءً مباشراً بينها، بل لأن تجربة الحرب تصبح مختلفة إلى درجة تجعل كل جماعة تعيش واقعاً نفسياً واجتماعياً مختلفاً عن الأخرى.
والمفارقة أن الضغوط الخارجية كثيراً ما تنتج نتائج معاكسة لما يُراد منها. فبدلاً من إضعاف الجماعة المستهدفة، تؤدي إلى زيادة تماسكها الداخلي. وكلما ازداد الإحساس بالخطر، ازداد الشعور بالحاجة إلى الاحتماء بالهوية الجماعية. وهكذا تصبح الجماعة بالنسبة إلى أفرادها مصدر الأمان والاعتراف والانتماء في مواجهة عالم يبدو أقل تفهماً لمعاناتهم.
إن الخطر الحقيقي للحروب لا يكمن فقط في عدد الضحايا أو حجم الدمار، بل في قدرتها على خلق مسافات نفسية بين أبناء المجتمع الواحد. فالأوطان لا تتماسك فقط عبر الحدود والمؤسسات، بل عبر شعور الناس بأنهم يتشاركون المصير نفسه حتى عندما تختلف تجاربهم.
ولهذا فإن أحد أهم التحديات التي تواجه لبنان اليوم لا يتعلق فقط بوقف الحرب أو إعادة الإعمار، بل بالحفاظ على الشعور الوطني المشترك في ظل تفاوت كبير في حجم المعاناة والخسائر. فحين يشعر أي مكوّن اجتماعي بأن ألمه أصبح شأناً خاصاً به وحده، يبدأ الشرخ بالتشكل في أعماق الوعي الجمعي.
فالحروب لا تترك آثارها الحقيقية على الخرائط، بل في النفوس. والحدود التي ترسمها القذائف على الأرض قد تزول مع الزمن، أما الحدود التي قد تنشأ بين الناس داخل الوطن الواحد فتبقى أكثر عناداً وأطول عمراً. لذلك فإن أخطر ما في الإنذارات والنزوح والخوف المتكرر ليس ما تفعله بالبيوت، بل ما قد تفعله بفكرة الشراكة الوطنية نفسها.
وفي لبنان، حيث يقوم الاستقرار على توازن دقيق بين جماعات متعددة وذاكرات متعددة، يصبح الحفاظ على التضامن الأخلاقي بين الناس شرطاً من شروط السلم الأهلي. فالأوطان لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، بل أيضاً بقدرتها على إقناع جميع أبنائها، في لحظات الخوف كما في لحظات الأمان، بأنهم ليسوا وحدهم. وأن الألم، مهما تركز في منطقة أو جماعة معينة، يبقى شأناً وطنياً يخص الجميع.
إن التحدي الأكبر الذي تفرضه الحروب ليس إعادة بناء ما تهدمه القذائف، بل إعادة ترميم ما قد يتصدع في النفوس من ثقة وانتماء وشعور بالمصير المشترك. فحين ينجح المجتمع في حماية هذه القيم، يكون قد انتصر على أحد أخطر أهداف الحرب: تحويل الاختلاف في المعاناة إلى اختلاف في الوطن نفسه.
المصدر : وكالات








