ثمة فارق جوهري بين مؤسسة تتحمّل مسؤوليتها وبين مؤسسة تُدير علاقاتها العامة. وما صدر عن رئاسة الجامعة اللبنانية وعن رئيسها بسام بدران في أعقاب استشهاد ثيودوسيا جيمس كرم وأخيها ينتمي بامتياز إلى الخانة الثانية.


أولاً: بيان يكتب إدانته بيده 

البيان الرسمي الصادر بتاريخ 2 حزيران 2026 يحمل في طيّاته اعترافاً صريحاً لم يقصده أصحابه : "سيتم إحصاء الطلاب الذين يتعذر عليهم المشاركة في الامتحانات" و يتحدّث عن إجراءات "ستُتَّخذ" لا عن إجراءات كانت قائمة. كل فعل في البيان يشير إلى المستقبل أي الى غياب الماضي. 

حتى لو كانت بعض الكليات قد عمدت إلى جمع معلومات حول أماكن وجود الطلاب وتوزعهم الجغرافي خلال فترة الحرب. فالإحصاء بحد ذاته لا يشكل خطة، وجمع البيانات لا يتحول تلقائياً إلى حماية أو إجراءات ما لم يُترجم إلى قرارات وتدابير ملموسة على الأرض. 

هذا دليل على عشوائية وفوضى وغياب تام للتخطيط وهو ما يجعل البيان برمّته لا وثيقةَ تطمين بل وثيقةَ إدانة.

ثانياً: تهرّب منهجي من المسؤولية

يكرر البيان أكثر من مرة أن سلامة الطلاب والأساتذة والموظفين أولوية مطلقة. لكن الأولويات لا تُقاس بما يُكتب بعد الكارثة، بل بما يُفعل قبلها.

هذا بيان رئيس فُوجئ بكارثة كان يجب أن يتوقّعها منذ أشهر. والأخطر أن هذا التهرّب من المسؤولية لا يبدو استثناءً بل نمطاً متجذّراً في طريقة إدارة الجامعة يقودها رجل أولويته اليوم تعديل قانون الجامعة لمصلحة شخصية. 

ثالثاً: الإجراءات الاستثنائية — فوضى مُقنَّعة بمرونة

في تصريحات إعلامية منفصلة، أعطى الرئيس بدران أمثلة على ما يصفه بـ"المرونة": امتحانات أُجريت في رميش لطالبين من كلية الهندسة وعشرة من كلية العلوم، وأخرى لعشرة طلاب من منطقة العرقوب في راشيا.

لكن هذه الأمثلة بالذات تطرح السؤال الأكثر إيلاما ً:

لماذا وصل الحل إلى بعض الطلاب ولم يصل إلى الجميع؟ 

فالعدالة لا تتحقق عندما يصل الحل إلى من يعرف بمن يتصل أو إلى من يملك قناة تواصل مع الإدارة، بل عندما تكون الإجراءات واضحة ومعلنة ومتاحة لجميع الطلاب بالتساوي.

رابعاً: أين التعاميم ؟

يتحدّث الرئيس بدران عن إبلاغ الطلاب وترتيبات اتُّخذت. 

نطالب بنص واحد. تعميم رسمي واحد. إشعار رسمي واحد موجَّه لطلاب المناطق الخطرة يُبلّغهم بحقوقهم وبالبدائل المتاحة قبل موعد الامتحانات.

لا نريد كلاماً منقولاً عن مدير أبلغ طالباً في رواق ولا تصريحاً إعلامياً لاحقا. بل نصاً رسمياً موثّقاً بتاريخ سابق للكارثة يثبت أن رئاسة الجامعة كانت على مستوى الجهوزية لمواجهة تحديات الحرب...

 فالسؤال الجوهري هو: هل كان هناك نص رسمي ولم يلتزم به طالبان، أم لم يكن هناك نص أصلا ؟

وحتى يُنشر هذا النص، كل كلام عن "إبلاغ" و"تنسيق" و"ترتيبات" هو مجرد عذر غير كافٍ لتوضيح ما جرى.

خامساً: أولويات في غير محلّها

وفيما كانت ثيودوسيا تقطع الطريق الخطر إلى امتحانها، كان رئيس الجامعة منشغلاً بالسعي إلى تعديل القانون ليترشح مرة ثانية و تمدد ولايته.

هذا التناقض الصارخ بين أولوية مُعلنة وأولوية حقيقية يختصر المشهد كله. فحين يكون الرئيس منهمكاً في معادلات بقائه في منصبه، لا غرابة أن تكون خريطة طلابه في مناطق الحرب آخر ما يشغله. ولا غرابة أن تأتي الخطط بعد الجنازة لا قبلها.

ما بعد الجنازة

المطلوب ليس مزيداً من البيانات. المطلوب اجراء تحقيق و أجوبة على أسئلة محددة:   

هل كانت هناك خطة مكتوبة لإدارة المخاطر قبل الامتحانات ؟ هل وُجدت تعاميم رسمية أُبلغ بها جميع الطلاب بالتساوي ؟ ولماذا لم تُعتمد الإجراءات المُعلنة بعد المأساة و ليس قبل وقوعها ؟ ؟ لماذا اليوم يجري الحديث عن مركزامتحانات في رميش ولم يعمم على الطلاب ؟ ماذا تشعر أم فقدت زوجها وابنتها وابنها في يوم واحد، حين تكتشف أن الجامعة كانت تملك حلاً يُجنّبهم الخطر لكن لا تعميم صدر، ولا أحد أبلغهم ؟

الجواب المرّ هو أن هذه التصريحات لم تأتِ من باب المسؤولية — بل من باب الدفاع عن النفس. كلام اليوم ليس خطة، هو رواية صِيغت بعد الكارثة ليبدو رئيس الجامعة أقل تقصيراً.


المصدر : Transparency News