الحياة ليست عذراً كافياً لتأجيل الامتحانات
04-06-2026 11:22 AM GMT+03:00
في وطنٍ يعشق الشهادات، ما زال الإنسان آخر الأولويات.
تهانينا لريما كرامي.
ففي زمن الحروب والنزوح والخوف والانهيار النفسي، استطاعت وزيرة التربية أن تحقق إنجازاً سيذكره التاريخ الإداري للبنان طويلاً. وبينما كانت الدولة تتعثر في حماية حدودها واقتصادها ومستقبل شبابها، نجحت وزارة التربية في حماية الامتحانات. وبينما كان آلاف الطلاب يحاولون استعادة شيء من الاستقرار وسط واقع لا يشبه الحياة الطبيعية بأي شكل، بقيت الروزنامة التعليمية ثابتة لا تهتز.
وربما سيكتب يوماً في سجل الإنجازات الرسمية عن بطولة ريما كرامي في تحدي الصعاب بالرغم من كل شيء. من الحرب، من النزوح، ومن الخوف الذي عاشه الطلاب وعائلاتهم. وكأن كل هذه التفاصيل لم تكن سوى عقبات صغيرة في طريق إنجاز أكبر: وصول الشهادة إلى موعدها المحدد.
لكن المشكلة لا تبدأ عند ريما كرامي ولا تنتهي عندها. فوزيرة التربية ليست سوى انعكاس لثقافة لبنانية قديمة، ثقافة تعشق الشهادات أكثر مما تعشق البشر.
في هذا البلد، هناك دائماً شهادة ما يجب الحصول عليها. شهادة جامعية تعلق على الحائط. شهادة انتماء سياسي تعلق في الوعي. شهادة وطنية يوزعها البعض على الآخرين. شهادات في الأخلاق والالتزام والولاء والانتماء. كل شيء هنا يقاس بالشهادات، إلا الإنسان نفسه.
ولهذا لم يكن مستغرباً أن يتحول التعليم بدوره إلى سباق نحو الورقة أكثر منه رحلة لبناء الإنسان. فمنذ سنوات طويلة نخبر الطلاب القصة نفسها: ادرسوا، اجتهدوا، احصلوا على شهاداتكم، وسيفتح المستقبل أبوابه لكم. ثم يكبرون ليكتشفوا أن أصحاب الشهادات يهاجرون، وأن كثيرين يعملون في غير اختصاصاتهم، وأن الواسطة لا تزال تتقدم على الكفاءة في أماكن كثيرة، وأن الحياة أكثر تعقيداً بكثير من كل الوعود التي بيعت لهم داخل الصفوف.
بطولة على حساب المتعبين
الأكثر قسوة في كل هذا المشهد ليس إجراء الامتحانات بحد ذاته، بل الطريقة التي جرى تقديم الأمر بها. فمنذ أشهر لا نسمع إلا العبارة نفسها: "بالرغم من كل شيء". تحولت معاناة الطلاب إلى خلفية للمشهد، وتحول تحملهم لكل ما عاشوه إلى مادة للافتخار. وكأن الإنجاز لم يعد في حماية الشباب من آثار الحرب والخوف والنزوح، بل في إثبات قدرتهم على تحملها.
فأي بطولة في أن يدرس الطالب وهو غارق في القلق؟ وأي نجاح في أن يجلس خلف مقعده فيما حياته كلها كانت خلال الأشهر الماضية امتحاناً مفتوحاً؟ وأي عدالة تربوية في مطالبة شاب عاش ظروفاً استثنائية بأن يتصرف وكأن شيئاً لم يكن
الطالب الذي عاش النزوح لا يحتاج إلى درس إضافي في الصمود. والطالب الذي أمضى لياليه تحت وطأة الخوف لا يحتاج إلى من يخبره أن عليه أن يتحمل أكثر. والطالب الذي لا يعرف ماذا يحمل له الغد لا يحتاج إلى خطاب عن الانضباط والالتزام بقدر ما يحتاج إلى دولة تدرك أن الإنسان لا يتعلم في الفراغ، وأن الراحة النفسية ليست تفصيلاً في العملية التعليمية، بل شرطاً أساسياً لها.
لهذا يبدو الحديث عن الامتحانات أحياناً وكأنه حديث عن بلد آخر. بلد مستقر، هادئ، يعيش ظروفاً طبيعية. أما لبنان الحقيقي الذي يعرفه الطلاب، فهو لبنان القلق والخوف وعدم اليقين. لبنان الذي يطلب من شبابه أن يكونوا أقوى من الظروف دائماً، ثم يعتبر قدرتهم على الاحتمال إنجازاً وطنياً.
من يحمي الإنسان؟
بين كل البيانات والتعاميم والخطط، تبقى صورة تاودوسيا أقوى من الجميع. طالبة فعلت كل ما طلبه منها المجتمع. درست، اجتهدت، وتمسكت بالشهادة التي قيل لها إنها الطريق إلى المستقبل. خرجت لتكمل ما بدأته، كما يفعل آلاف الطلاب كل عام، لكنها لم تصل.
وهنا تسقط كل اللغة الرسمية دفعة واحدة.
لأن تاودوسيا لم تكن مشروع علامة، ولم تكن رقماً في كشف نتائج، ولم تكن نسبة نجاح إضافية يمكن إضافتها إلى سجل الوزارة. كانت إنساناً. وهذه الحقيقة البسيطة هي ما يضيع غالباً وسط كل الحديث عن الأنظمة والقوانين والشهادات.
المشكلة الحقيقية ليست في امتحان رسمي ولا في قرار وزاري. المشكلة أن هذا البلد ما زال ينظر إلى الناس من خلال أوراقهم أكثر مما ينظر إليهم كبشر. ما زال يحترم المنصب أكثر من صاحبه، واللقب أكثر من معناه، والشهادة أكثر من الإنسان الذي يحملها. ولهذا لا نتفاجأ عندما تصبح الروزنامة التعليمية قضية وطنية فيما تتحول الصحة النفسية للطلاب إلى تفصيل، ولا نتفاجأ عندما يُطلب من الشباب أن يتجاوزوا الخوف والنزوح والقلق ثم يصفق لهم لأنهم فعلوا ذلك.
وربما لهذا السبب أيضاً ما زلنا نفشل في الدرس الأهم. فالأوطان لا تبنيها الشهادات المعلقة على الجدران، ولا المناصب، ولا الألقاب. الأوطان يبنيها أناس يشعرون بالأمان، ويمتلكون كرامتهم، ويعرفون أن قيمتهم لا تختصرها ورقة رسمية. وعندما يصبح الإنسان أهم من الشهادة، ربما عندها فقط نستحق أن نتحدث عن تربية، وعن دولة، وعن مستقبل.
المصدر : Transparency News








