دخلت الأزمة المعيشية والاقتصادية في لبنان مرحلة جديدة وصفت بالأقسى منذ سنوات، مدفوعة بالتداعيات المباشرة للحرب الإقليمية التي اندلعت فجر 28 فبراير الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.


هذا الصراع العسكري أحدث هزة عنيفة في الأسواق العالمية، وأدى إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار النفط، لتلقي بظلالها سريعاً على الساحة اللبنانية التي تُصنف كواحدة من أكثر البيئات الاقتصادية هشاشة أمام تقلبات أسعار الطاقة والسلع.

وكشفت دراسة إحصائية تخصصية صادرة عن مؤسسة "الدولية للمعلومات" أن الارتفاع القياسي في أسعار النفط عالمياً تسبب في قفزة تصاعدية لكلفة النقل والشحن البحري والبري، إلى جانب ارتفاع رسوم التأمين على الشحنات المتوجهة إلى منطقة الشرق الأوسط، مما تُرجم سريعاً على شكل موجة غلاء حاد طالت السلع الغذائية، الاستهلاكية، والخدمات البنيوية الأساسية وفي مقدمتها قطاعا المياه والكهرباء.

لماذا لبنان الأكثر تضرراً؟

رغم شمول التداعيات التضخمية للعديد من دول العالم، إلا أن التأثير على الاقتصاد اللبناني جاء أشد وطأة وعمقاً بفعل عوامل هيكلية واقتصادية تراكمية أبرزها:

  • الاعتماد الكلي على مشتقات الطاقة: يستورد لبنان 100% من احتياجاته من المشتقات النفطية (الفيول، البنزين، المازوت)، وبفاتورة سنوية ضخمة تقارب 4.5 مليارات دولار.

  • التبعية التموينية للخارج: تفتقر الأسواق المحلية للأمن الغذائي الذاتي، حيث تعتمد البلاد على الاستيراد الخارجي لتأمين أكثر من 85% من احتياجاتها الغذائية والاستهلاكية الأساسية.

قفزة كبيرة في كلفة المعيشة

وأظهرت الدراسة أن الحد الأدنى لكلفة معيشة أسرة لبنانية مؤلفة من أربعة أفراد أصبح يتراوح بين 890 دولاراً و1426 دولاراً شهرياً، بمتوسط يبلغ 1157 دولاراً. ويشكل هذا الرقم ارتفاعاً كبيراً مقارنة ببداية العام الحالي، حين كانت الكلفة تبلغ نحو 898 دولاراً شهرياً.

وبذلك تكون الأسرة اللبنانية قد باتت بحاجة إلى 259 دولاراً إضافياً شهرياً لتأمين متطلبات العيش الأساسية، أي بزيادة نسبتها 28.8 في المئة خلال أشهر قليلة فقط، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي فرضتها التطورات الإقليمية على الاقتصاد المحلي.

فجوة متسعة بين الأجور والواقع المعيشي

في المقابل، لا يزال الحد الأدنى الرسمي للأجور في لبنان عند مستوى 28 مليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل نحو 312 دولاراً وفق سعر الصرف المعتمد حالياً. وهذا يعني أن الحد الأدنى للأجور يغطي أقل من ثلث الحد الأدنى المطلوب لتأمين معيشة أسرة من أربعة أفراد.

وتُظهر الأرقام أن الفجوة بين الأجر الرسمي وكلفة المعيشة الفعلية بلغت نحو 271 في المئة، ما يسلط الضوء على التراجع الحاد في القدرة الشرائية للأسر اللبنانية، ويعيد إلى الواجهة مطالب الهيئات العمالية والنقابية بإعادة النظر في سياسة الأجور وربطها بمؤشرات التضخم وارتفاع الأسعار.

تحديات إضافية

ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار التوترات العسكرية في المنطقة أو توسعها قد يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في أسعار الطاقة والشحن، الأمر الذي سينعكس حكماً على السوق اللبنانية. وفي ظل غياب أي خطط دعم اجتماعي أو تصحيح جدي للأجور، تبدو الأسر اللبنانية أمام مرحلة أكثر صعوبة، حيث تتآكل المداخيل بوتيرة أسرع من قدرة المواطنين على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية المتسارعة.

وتؤكد هذه المؤشرات أن الأزمة المعيشية في لبنان لم تعد مرتبطة بالعوامل الداخلية فقط، بل أصبحت رهينة التطورات الإقليمية والدولية، ما يجعل أي تصعيد عسكري جديد عاملاً إضافياً يهدد الأمن الاقتصادي والاجتماعي للبنانيين.


المصدر : وكالات