رغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الإعلان عن التفاهم الأميركي الإيراني، لا تزال الساحة اللبنانية تتعامل معه بحذر، وسط تساؤلات حول مدى قدرته على وقف التصعيد العسكري وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار. وبين المواقف المرحبة والقراءات المتحفظة، يبقى التنفيذ على الأرض هو الاختبار الحقيقي لأي تفاهم سياسي.


أطلّ النظام الإيراني وحليفه اللبناني برواية اعتبرها خصومه محاولة لتسويق "انتصار سياسي" لا ينسجم مع حجم الخسائر البشرية والمادية التي خلّفتها الحرب، في وقت لا تزال فيه مناطق واسعة من الجنوب تعاني آثار الدمار والنزوح.

وبحسب مصادر متابعة، حاولت طهران الإيحاء بأن التفاهم الذي أبرمته مع الولايات المتحدة منح لبنان مساحة خاصة من الاهتمام، من خلال تضمين الاتفاق إشارات متكررة إليه والتركيز على وقف الأعمال العدائية واحترام سيادته ووحدة أراضيه. إلا أن هذه القراءة اصطدمت بتصريحات لمسؤول أميركي أكد أن أي انسحاب إسرائيلي من لبنان ليس شرطًا لإبرام الاتفاق، وأن لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها في مواجهة أي هجمات تنطلق من الأراضي اللبنانية.

في المقابل، شدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أن بلاده لن تنسحب من جنوب لبنان قبل ضمان أمن مستوطني الشمال، معتبرًا أن العمليات العسكرية أضعفت بشكل كبير القدرات الصاروخية لـ"حزب الله". كما أظهرت التطورات الميدانية استمرار الغارات الإسرائيلية، ما يعكس غياب أي مؤشرات على وقف شامل للعمليات في الوقت الراهن.

وعقب الإعلان عن توقيع مذكرة التفاهم، رحبت قوى حليفة لإيران بالخطوة، بينما رأت مصادر سياسية أن الاتفاق يقتصر على العلاقة الأميركية الإيرانية ولا يشكل معالجة مباشرة للوضع اللبناني، مؤكدة أن إنهاء المواجهة في لبنان يبقى مرتبطًا بالمسار التفاوضي الذي تقوده الدولة اللبنانية وبملف حصر السلاح بيدها.

وأضافت المصادر أن الدعوات المطالبة بتغيير الحكومة لا تحمل تأثيرًا عمليًا في ظل غياب أي معطيات دستورية تؤدي إلى استقالتها أو سحب الثقة منها، مشيرة في الوقت نفسه إلى استمرار اتصالات عربية ودولية مع واشنطن وطهران لبحث مستقبل سلاح "حزب الله" وإيجاد مخرج سياسي للأزمة.

واعتبرت المصادر أن الإشارة إلى وقف إطلاق النار في لبنان ضمن التفاهم قد تكون أقرب إلى موقف سياسي منه إلى التزام قابل للتنفيذ على الأرض، في ظل مرحلة إقليمية جديدة تتسم بمحاولات الحد من النفوذ الإيراني بدل توسيعه.

على الصعيد الرسمي، رحب رئيس الجمهورية جوزاف عون بمضمون التفاهم، معربًا عن أمله في أن يترجم إلى خطوات عملية تنهي دوامة العنف وتفتح الباب أمام مرحلة من الاستقرار وإعادة الإعمار. كما شدد رئيس الحكومة نواف سلام على أهمية استثمار أي فرصة لوقف الحرب وحماية اللبنانيين، مؤكدًا مواصلة الجهود الدبلوماسية لتأمين الانسحاب الإسرائيلي الكامل والإفراج عن الأسرى.

بدوره، ثمّن رئيس مجلس النواب نبيه بري الجهود الإقليمية والدولية التي ساهمت في التوصل إلى التفاهم، معتبرًا أن تضمين بند يتعلق بوقف الاعتداءات على لبنان يشكل خطوة إيجابية.

وكشف مصدر سياسي رفيع أن موقفي رئاستي الجمهورية والحكومة يعكسان ترحيبًا حذرًا بالتفاهم الأميركي الإيراني، من دون اعتباره ضمانة نهائية للاستقرار، موضحًا أن الدولة اللبنانية تنظر إليه كفرصة يمكن البناء عليها إذا تُرجمت إلى إجراءات ملموسة على الأرض، لا سيما في ما يتعلق بوقف العمليات العسكرية، وعودة النازحين، وإطلاق مسار إعادة الإعمار، واستكمال المفاوضات الهادفة إلى تثبيت الاستقرار.


المصدر : وكالات