أنطوان سلمون


لا يمكن قراءة بيان "حزب الله" الصادر في 15 حزيران 2026 الا بوصفه شهادة وفاة لسرديات جدوى السلاح والمقاومة والدفاع والردع والتحرير،اذ ان البيان يوثّق في مضمونه لحظة انعطاف حرجة في مسار الحزب. فهو نص اعتراف ضمني بإخفاق المشروع، مكتوب بلغة المجاملة والدبلوماسية. فكاتب البيان، في محاولته تسويق إنجاز تضمين مذكرة التفاهم "الايرانية الاميركية" وقفا لاطلاق النار في لبنان" قد قدّم في ثنايا البيان  الأدلة الدامغة على انهيار سرديات كثيرة  تأسس  عليها الحزب منذ عقود.

فقد استند الخطاب التأسيسي للحزب إلى رفض قاطع لأي تفاوض مباشر أو غير مباشر مع الولايات المتحدة الأميركية، التي وصمها بـ "الشيطان الأكبر"، ونبذ أي شكل من أشكال الوصاية الخارجية..وهذا ما زال يتظهّر في "تخوينه"  الدولة اللبنانية في قيامها بواجباتها الدستورية في هذا المجال ف"مباركة الإنجاز الكبير بالتوصل إلى مذكرة التفاهم بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأميركية، والتي أفضت إلى وقف شامل لإطلاق النار على كل الجبهات ومن ضمنها لبنان".كأنه يقول بأن "الانجاز" بنسخته اللبنانية قد خُطَّ وخُطِّطَ بحبر الوصاية الجديدة الأميركية وهذا ما يفسّر امتنان الحزب في بيانه "لكل الدول التي شاركت وساهمت وساعدت وواكبت جهود إزالة العقبات من أجل إنجاز هذا الاتفاق"...ليلاقيه شريكه الشيعي الضامن المفوّض الرئيس نبيه بري بتوجّهه" بالشكر والتقدير إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة وقيادتي البلدين، «على تمسكهما وإصرارهما تضمين المذكرة التي تم التوافق عليها بنداً أساسياً وملزماً بوقف العدوان الإسرائيلي على كل لبنان"...والشكر  وجهه بري حصرا بتفويض من الحزب ل"أمريكا" كونها الجهة القادرة وحدها على "الزام اسرائيل على وقف عدوانه" كما لاقى نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى العلّامة الشيخ  علي الخطيب بيان الحزب بقوله : "وبقي ان تفي الادارة الاميركية بالتزاماتها لجهة لجم العدو الصهيوني والزامه وقف النار في لبنان ومنعه من الاستمرار في ارتكاب جرائمه بحق اللبنانيين" ليسقط مع ما ورد في البيان سردية جدوى المقاومة وجدوى سلاحها مع سقوط روايات الردع والدفاع والحماية.

من ثنايا  البيان نقرأ ب" أن ما تحقق هو "مقدمة لاستكمال مسار التحرير الكامل لأرضنا".  وهذا يشي بان الحزب وايران من ورائه قد استنكفا وانكفأا وأقصيا نفسهم وسلاحهما  عن مهمة "تحرير ما احتل" منذ الثامن من تشرين الاول 2023 حتى "انجاز الانتصار" في الخامس عشر من حزيران 2026 فهو اكتفى بأن "يثمل من زبيبة وقف اطلاق النار" متسامحا مسامحا العدو على احتفاظه بمساحة لا تقل عن 2000 كيلومتر مربع اي أكثر من ضعف المساحة التي كانت محتلة قبل تحرير العام 2000 والتي كانت تبلغ 850 كيلومتر مربع.ف""مقدمة" هي لفظة تأجيل بامتياز، تعني نقل الهدف من الحاضر إلى مستقبل مفتوح. والأخطر من ذلك، أن شرط "الانسحاب الاسرائيلي" قبل اي مفاوضات مباشرة او غير مباشرة كان  امتشقه الحزب ورفعه سلاحا بوجه السلطة اللبنانية رئاسة وحكومة ووفدا مفاوضا.

اما في دعوة بيان الحزب الأهالي النازحين "إلى التريث، وانتظار توجيهات المعنيين بشأن العودة الآمنة إلى قراهم وبلداتهم، حرصاً على سلامتهم وتفاديّا لأي مخاطر قد تنجم عن خروقات العدو الإسرائيلي المحتملة".
 هذه الدعوة  وحدها كفيلة بنسف شعار "العين الساهرة على حماية الوطن وشعبه"،الذي ورد في البيان" فالجهة التي قدمت نفسها لعقود كضامن أمني وحيد لا يعلو عليه ضامن، تعلن اليوم صراحة "عجزها" وقصورها عن تأمين عودة آمنة لأهلها إلى بيوتهم، وتحيلهم إلى "المعنيين" في الدولة اللبنانية واليونيفيل والرعاية الاميركية. لتنتقل وظيفة حماية اهل الجنوب من "بندقية" المقاومة إلى "اللجام" الاميركي الامبريالي 

لا بد هنا من ان نقرأ من صلب بيان الحزب الموثّق لانجاز "وقف اطلاق النار"،عن تمخض"الصمود الأسطوري والتضحيات الجسام" للمقاومة  دون ان تلدا  لا "دخولا الى الجليل" و"لا تحريرا لارض" ولا "منعا لاحتلال" بل تولّد عنها ومنها وضع الحزب ورقة على طاولة  المفاوضات الاميركية الايرانية مع تثبيت الاحتلال الاسرائيلي ليتحول الهدف الاستراتيجي من اخراج الاحتلال الى خطوة تكتيكية اعتبرها الايراني وبيان الحزب انجازا وهو "اقناع العدو بوقف اطلاق النار"...

ليصبح ما قاله البيان ب"اننا اذقنا العدو مرّ الهزيمة" مضافا الى "التضحيات الجسام" التي قدمتها المقاومة مع ابناء بيئته من الضحايا والجرحى و النازحين "تثبيتا للوضع القائم" اي الوضع الذي استجدّ بعد 2 آذار 2026 ...وهنا يصدق الحزب في بيانه عندما قال للعدو مُقرّاً بمرّ هزيمته ان "لا عودة الى ما قبل 2 آذار"... بل الى ما هو اسوأ.


المصدر : Transparency News