ما بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأميركية.. إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة
16-06-2026 10:29 AM GMT+03:00
إذا انتهت الحرب المعلنة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بنتيجة المواجهة العسكرية، بل بما ستتركه من آثار على موازين القوى وإعادة توزيع النفوذ في المنطقة.
فالحروب لا تنتهي عادة بانتصار كامل لطرف واحد، بل تفتح مرحلة جديدة من الصراع السياسي ومحاولات تثبيت الوقائع التي أفرزتها المواجهة.
1- دول الخليج العربي: بين الحماية الأميركية وتبعات الصراع
بعد تعرض بعض دول الخليج لهجمات صاروخية إيرانية استهدفت مواقع مرتبطة بالوجود الأميركي، ظهر مدى اعتماد هذه الدول على المظلة الأمنية والعسكرية الأميركية. وقد يدفع ذلك إلى زيادة شراء منظومات الدفاع والأسلحة المتطورة لحماية نفسها من أي تهديدات مستقبلية.
وفي المقابل، سيعزز هذا الواقع الدور الأميركي العسكري والاقتصادي في المنطقة، من خلال استمرار حضورها الأمني ومصالحها الاستراتيجية، بما يبقي علاقة هذه الدول بالولايات المتحدة جزءاً أساسياً من معادلة الأمن الإقليمي.
2- إسرائيل والولايات المتحدة: إعادة ترتيب النفوذ
قد تحاول إسرائيل استثمار نتائج الحرب لتعزيز موقعها الإقليمي، من خلال تكريس نفوذها في غزة، وزيادة الضغط على الجبهة اللبنانية، ومواصلة سياسة فرض وقائع جديدة في الضفة الغربية بما يخدم مشاريع التوسع داخلها.
أما الولايات المتحدة، فقد تسعى إلى تعزيز حضورها في المنطقة والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، خصوصاً في الخليج ومضيق هرمز، بما يجعل مرحلة ما بعد الحرب مرحلة إعادة ترتيب للنفوذ أكثر من كونها نهاية للصراع.
3- إيران ومحور نفوذها
في حال حدوث تغييرات داخل القيادة الإيرانية، قد تظهر قيادة جديدة أكثر مرونة في التعامل مع المحيط الإقليمي والدولي، مع محاولة الحفاظ على مواقع النفوذ التي بنتها خلال العقود الماضية، من اليمن عبر الحوثيين إلى لبنان عبر حزب الله.
وقد تعلن إيران، كما تفعل عادة الأطراف المتصارعة بعد الحروب، أنها خرجت "منتصرّة"، رغم أن نتائج الحروب لا تقاس بالشعارات، بل بقدرة الأطراف على تحويل نتائج المواجهة إلى نفوذ سياسي واستراتيجي مستدام.
وفي هذا السياق، قد تسعى إيران إلى تعزيز موقعها بدعم روسي وصيني، مع استمرار مواجهتها لتحديات داخلية واقتصادية وسياسية.
4- لبنان والجنوب اللبناني: صراع النفوذ وتداعيات ما بعد الحرب
يبقى لبنان من أكثر الساحات تأثراً بهذه التحولات، خصوصاً في ظل ضعف الدولة وتعقيد التوازنات الداخلية والإقليمية.
وقد يبقى الجنوب اللبناني مساحة مفتوحة للصراع بين النفوذ الإسرائيلي من جهة، ومحور النفوذ الإيراني من جهة أخرى. وقد تسعى إسرائيل إلى تثبيت واقع أمني جديد، خصوصاً في المناطق ذات الأهمية العسكرية والاستراتيجية، ومنها قلعة الشقيف والمواقع المرتفعة المحيطة بها.
لكن تداعيات الحرب لن تكون فقط عسكرية، بل إنسانية واجتماعية أيضاً. فعودة النازحين إلى بلداتهم قد تواجه صعوبات كبيرة نتيجة الدمار الذي أصاب المنازل والممتلكات والبنى الأساسية، ما قد يترك آثاراً عميقة على المجتمع الجنوبي ويحول أزمة النزوح وإعادة الإعمار إلى ملف وطني كبير.
وقد يؤدي ذلك إلى تصاعد الانتقادات تجاه السلطة اللبنانية بسبب قدرتها المحدودة على معالجة نتائج الحرب، ما يفتح الباب أمام أزمة ثقة سياسية وأزمة حكم، خصوصاً إذا عجزت المؤسسات عن إدارة المرحلة المقبلة. وقد تصل التداعيات إلى تعثر عمل الحكومة أو الدخول في أزمات سياسية مفتوحة.
كما ستبقى مسألة بسط سلطة الدولة وحصرية قرار السلم والحرب في قلب النقاش السياسي، خصوصاً أن خطاب القسم لرئيس الجمهورية ركز على بناء دولة قوية وفرض سلطة المؤسسات. في المقابل، يرى حزب الله أن سلاحه مرتبط بدور المقاومة والدفاع عن الجنوب، مستنداً إلى المواجهات والتضحيات البشرية التي قدمها في هذا المسار.
وهكذا قد يجد لبنان نفسه أمام معادلة صعبة بين مشروع بناء الدولة، وواقع القوى الموجودة على الأرض، وتحديات مرحلة ما بعد الحرب.
5- القضية الفلسطينية: خطر التهميش وتثبيت الوقائع
أما القضية الفلسطينية، فقد تكون أمام خطر التراجع في سلم الاهتمامات الدولية بسبب انشغال المنطقة بصراعات النفوذ الكبرى. وقد يمنح ذلك إسرائيل فرصة لفرض وقائع جديدة، خصوصاً في الضفة الغربية، بما يخدم مشاريع التوسع التي تتبناها تيارات إسرائيلية مختلفة.
أما غزة، فقد تبقى أمام تحديات كبيرة إذا لم يفتح مسار سياسي يعالج جذور القضية الفلسطينية، وليس فقط نتائج المواجهات العسكرية، ما قد يبقي المنطقة في دائرة صراعات متكررة.
إن الحديث عن انتهاء الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع، فقد تكون المرحلة المقبلة انتقالًا من المواجهة العسكرية إلى مرحلة تفاوضية أكثر تعقيدًا. فالاتفاقات المرحلية، مهما كانت أهميتها، تحتاج إلى قراءة ما تتضمنه وما تؤجله أيضا. فوجود ملفات لم تحسم، أو قضايا لم تدخل بشكل كامل في التفاهمات الأولى، يجعل من الضروري انتظار كيفية تطبيق البنود خلال المرحلة الانتقالية، ولا سيما خلال مهلة الستين يوما، قبل اعتبار أن المنطقة دخلت فعلا مرحلة استقرار نهائي.
ويبقى التحدي الأكبر أمام دول المنطقة ليس فقط إنشاء مؤسسات جديدة، بل تفعيل المؤسسات القائمة وتمتين دورها، وتعزيز قدرتها على حماية شعوبها وترسيخ سيادتها، بما يمنع تحولها إلى ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين.
المصدر : Transparency News








