مفاوضات سويسرا: ملفات إيرانية تسبق النووي
22-06-2026 01:18 PM GMT+03:00
يعكس التوسع في ملف المفاوضات الجارية في سويسرا بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية وقطرية، مقاربة إيرانية تقوم على أن أي اتفاق يجب أن يعالج كافة ملفات الصراع بين واشنطن وطهران وفي مقدمها لبنان، مضيق هرمز، العقوبات الاقتصادية والأموال المجمدة. في المقابل، تميل واشنطن إلى فصل الملفات عن بعضها والتركيز على منع إيران من الاقتراب أكثر من العتبة النووية، وتناول القضايا الإقليمية بشكل منفصل.
في صلب هذه المعادلة يبرز لبنان كواحد من أكثر الملفات حساسية. فطهران تنظر إلى الساحة اللبنانية باعتبارها إحدى أهم أوراق نفوذها في المنطقة، وتحاول ربط أي تقدم في المفاوضات بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وتثبيت التهدئة على الحدود الجنوبية. فمن وجهة نظر القيادة الإيرانية، أي تفاهم مع واشنطن لا يوفر حماية لموقع حزب الله سيكون اتفاقاً ناقصاً لا يحقق مصالحها الاستراتيجية التي تسعى إليها.
أما مضيق هرمز فيعتبر ورقة الضغط الأهم بالنسبة لإيران. فالمضيق الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية يمنح طهران قدرة دائمة على التأثير في الأسواق الدولية وحسابات القوى الكبرى. ولهذا تحاول إيران استخدام ملف الملاحة ضمن سلة التفاوض الأوسع، مستفيدة من إدراك واشنطن وحلفائها أن أي اضطراب طويل الأمد في المضيق ستكون له تداعيات اقتصادية عالمية تتجاوز حدود المنطقة.
لكن ما يشغل الإيرانيين بصورة أكبر يبقى الملف الاقتصادي. فالعقوبات الأميركية لا تزال تشكل ضغطا قويا على الاقتصاد، ما دفع بطهران للبحث عن مكاسب سريعة قبل الدخول في زواريب المفاوضات الطويلة الأمد حول أرصدتها المجمدة في الخارج. من هنا إصرارها على تخفيف موقت للعقوبات يسمح بزيادة صادرات النفط وتدفق العملات الأجنبية، حتى قبل التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل.
هذه المقاربة الإيرانية للمفاوضات تقابلها تسريبات وبيانات تصدر عن قوى في الداخل توحي بوجود انقسامات داخل المؤسسة الإيرانية نفسها. فبينما يدفع مسؤولون نحو استثمار الفرصة الحالية لتخفيف الضغط الاقتصادي والخروج من حالة العزلة، ينظر تيار متشدد بحذر إلى أي تنازلات محتملة خشية تقليص نفوذ إيران الإقليمي أو فرض قيود طويلة الأمد على برنامجها النووي. هذه التباينات لا تعني وجود انقسام داخل النظام بقدر ما تعكس اختلافاً حول حجم المكاسب الممكنة وحدود التنازلات المقبولة، فيما يعتبرها البعض تمويها متعمدا ودهاءً سياسياً يدفع بالخصوم لتقديم تنازلات لزيادة انقسامات داخلية غير حقيقية.
من جهتها تسير الولايات المتحدة على حبل دقيق بين الدبلوماسية والضغط. فهي من جهة تريد منع اندلاع مواجهة إقليمية جديدة والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية، ومن جهة أخرى لا ترغب في تقديم تنازلات كبيرة من دون الحصول على ضمانات واضحة بشأن البرنامج النووي وسلوك طهران الإقليمي. لذلك تحاول واشنطن إبقاء باب التفاوض مفتوحاً مع المحافظة في الوقت نفسه على أدوات الضغط السياسية والاقتصادية والعسكرية.
ختاما، يكشف استمرار عمل الوفود التقنية في سويسرا إمكانية التوصل إلى تفاهمات بشأن العقوبات والملف النووي، وأن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران لا تدور فقط حول الملف النووي، بل تشمل سلة واحدة من الملفات من ضمنها لبنان وهرمز والعقوبات والأموال المجمدة. والسؤال يبقى ما إذا كان الطرفان قادرين على التفاهم حول شكل التوازن الجديد وحدود النفوذ الإقليمي الذي سيحكم المنطقة في السنوات المقبلة.
المصدر : Transparency News








