شدد رئيس الجمهورية جوزاف عون على أن لبنان متمسك بسيادته وحقه الحصري في إدارة ملفاته الداخلية، مؤكداً رفض أي تفويض لطرف ثالث بالتفاوض باسمه. تزامن ذلك مع اتصال دولي ضم مسؤولين أميركيين وقطريين، تناول تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان وتشكيل آلية لمراقبة التهدئة ومتابعة مسار الانسحاب الإسرائيلي.


 تحليل: بين سيادة التفاوض اللبناني وآلية دولية لإدارة التهدئة

يأتي تشديد رئيس الجمهورية جوزاف عون على أن لبنان «يتفاوض عن نفسه» في لحظة دقيقة تتداخل فيها المسارات الدبلوماسية والأمنية بين بيروت وواشنطن والدوحة. هذا الموقف لا يُقرأ فقط كتصريح سيادي، بل كمحاولة لإعادة تثبيت موقع الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة في أي تفاوض يتعلق بالحرب أو التهدئة أو مستقبل الجنوب.

في المقابل، يكشف الاتصال الدولي الذي ضم مسؤولين أميركيين وقطريين عن اتجاه واضح نحو تدويل إدارة وقف إطلاق النار عبر «خلية متابعة»، ما يعني عملياً نقل جزء من إدارة الملف الأمني من الإطار الثنائي التقليدي إلى آلية متعددة الأطراف.

 أولاً: دلالة الموقف اللبناني

إصرار عون على رفض أي تفاوض بالوكالة يعكس ثلاث رسائل:

* تثبيت مبدأ حصرية التمثيل السياسي للدولة.
* تجنب أي سابقة تمنح أطرافاً داخلية أو خارجية حق التفاوض نيابة عن لبنان.
* محاولة ضبط التوازن بين الدعم الدولي وعدم التحول إلى وصاية سياسية.

هذا الخطاب يأتي في سياق حساس، حيث يرتبط أي انزلاق في الصياغة التفاوضية بإعادة طرح سؤال: من يملك قرار الحرب والسلم فعلياً في لبنان؟

 ثانياً: الآلية الدولية الجديدة

تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس حول إنشاء آليتين—واحدة لوقف إطلاق النار وأخرى مرتبطة بسلاح حزب الله—تشير إلى مقاربة أميركية تقوم على تفكيك الملف اللبناني إلى مسارات تقنية:

* مسار أمني: تثبيت الهدنة وضبط الخروقات
* مسار عسكري-سياسي: ملف السلاح
* مسار إقليمي: ربط الدور الإيراني بكبح التصعيد

هذا التقسيم يعكس محاولة لإدارة الأزمة بدل حلّها جذرياً في المرحلة الحالية.

 ثالثاً: خلية المراقبة كأداة إدارة لا حل نهائي

المعطيات المتداولة حول خلية المراقبة تشير إلى أنها ليست إطار تسوية نهائي، بل آلية تنفيذ ومتابعة. عملها، وفق المعلومات، يتم على مرحلتين:

1. تثبيت وقف إطلاق النار وضبط الأمن الميداني
2. متابعة الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات ما بعد التهدئة

لكن النقطة الأهم تبقى أن صلاحيات هذه الخلية ستُحسم في واشنطن، ما يعكس انتقال مركز القرار التنفيذي خارج بيروت.

 رابعاً: توازنات دقيقة في لحظة إقليمية حساسة

تزامن هذه التطورات مع الاتصالات الأميركية–القطرية يعكس أن لبنان يُدار اليوم ضمن إطار إقليمي أوسع، حيث تتقاطع:

* التفاهمات الأميركية–الإيرانية
* الحسابات الأمنية الإسرائيلية
* الاعتبارات الداخلية اللبنانية

وهذا التداخل يجعل أي اتفاق هشّاً وقابلاً لإعادة التفسير حسب ميزان القوى على الأرض.

 خلاصة

المشهد الحالي لا يشير إلى تسوية نهائية بقدر ما يعكس مرحلة “إدارة أزمة” متعددة المستويات. لبنان يحاول تثبيت سيادته السياسية في الخطاب، بينما تتجه القوى الدولية إلى بناء آليات عملية لإدارة التهدئة. بين هذين المسارين، يبقى الاستقرار مرتبطاً بقدرة الأطراف على تحويل وقف النار من تفاهم مؤقت إلى إطار مستدام، وهو ما لم يتبلور بعد بشكل نهائي.


المصدر : Transparency News