على وقع الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن، برزت مجدداً معادلة التداخل بين المسارين الأميركي – الإيراني من جهة، واللبناني – الإسرائيلي من جهة أخرى، بعد الاتفاق الذي تم التوصل إليه في سويسرا برعاية أميركية وبمشاركة قطرية وباكستانية، وما تلاه من حديث عن تشكيل خلية مشتركة تضم الولايات المتحدة ولبنان وإيران لمراقبة وقف إطلاق النار في لبنان.


رغم محاولات واشنطن توضيح طبيعة هذه الخلية ونفي منح أي دور مباشر لإيران في القرار اللبناني، فإن المشهد السياسي في بيروت بقي متأثراً بحساسية الربط بين المسارات، وسط مخاوف من انعكاس التفاهمات الإقليمية على شكل إدارة الملف اللبناني وحدود السيادة فيه، في ظل استمرار التباين بين الأطراف المعنية حول ملف السلاح وترتيبات ما بعد وقف العمليات العسكرية.

 الإطار العام للمفاوضات: تزامن مسارات لا اندماج بينها

تسعى الولايات المتحدة، بحسب الإحاطات الرسمية، إلى إدارة مسارين متوازيين لا يتداخلان في الصلاحيات: الأول مع إيران في سويسرا، والثاني مع لبنان وإسرائيل في واشنطن.

الهدف المعلن هو تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان ومنع التصعيد، مع الحفاظ على قناة تفاوضية منفصلة تتصل بالملف الإسرائيلي – اللبناني.

لكن هذا الفصل النظري بين المسارين يواجه إشكالية تطبيقية، تتعلق بتأثير أي تفاهم مع إيران على سلوك «حزب الله» في لبنان، وهو ما يفسّر حساسية الطرح المتعلق بـ«خلية المتابعة» التي أُعلن أنها تضم أطرافاً غير تقليدية في آلية إدارة النزاعات.

 خلية المراقبة: وظيفة تقنية أم إطار سياسي؟

تشير المعطيات المتداولة إلى أن الخلية المقترحة ستعمل على محورين رئيسيين:
الأول تثبيت وقف إطلاق النار ومنع خروقاته، والثاني مواكبة الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من مناطق في جنوب لبنان، بالتوازي مع ترتيبات انتشار الجيش اللبناني.

في المقابل، يتركز الجدل في بيروت حول البعد السياسي للخلية، خصوصاً لجهة إمكانية أن تتحول إلى إطار يؤثر في توازنات القرار اللبناني أو يربط بين المسارين الأميركي – الإيراني واللبناني – الإسرائيلي بطريقة غير مباشرة.

 الموقف الأميركي: نفي أي دور تقريري لإيران

المسؤولون الأميركيون، وفق الاتصالات الأخيرة، شددوا على أن التواصل مع إيران يهدف حصراً إلى الضغط على «حزب الله» للالتزام بتعهدات وقف التصعيد، وليس لمنح طهران أي دور في رسم مستقبل لبنان.

وفي هذا السياق، أكدت واشنطن دعمها لمؤسسات الدولة اللبنانية، معتبرة أن الجيش اللبناني والسلطة السياسية هما المرجعية الوحيدة في أي ترتيبات أمنية داخل البلاد، مع استمرار متابعة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في سويسرا.

 الموقف اللبناني: تمسك بالسيادة وفصل المسارات

في المقابل، يواصل المسؤولون اللبنانيون التأكيد على رفض أي صيغة قد تمس بسيادة القرار اللبناني أو تضعه ضمن ترتيبات إقليمية خارجية.

ويتمحور الموقف الرسمي حول نقطتين أساسيتين:

* رفض أن يكون لبنان طرفاً تابعاً في أي آلية تفاوضية إقليمية.
* التأكيد أن التفاوض حول الجنوب ووقف إطلاق النار يتم حصراً عبر الدولة اللبنانية.

 مواقف الأطراف الإقليمية والدولية

الاتصالات الدولية، ولا سيما الأميركية – الفرنسية، ركزت على تثبيت وقف إطلاق النار في الجنوب، ومرحلة ما بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، إضافة إلى دعم الجيش اللبناني وتعزيز الاستقرار.

في المقابل، يبقى الملف مرتبطاً بتطورات ميدانية في الجنوب، حيث ما زالت الخروقات العسكرية تؤثر على مسار التهدئة، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني رغم التقدم السياسي النسبي.

 السيناريوهات المحتملة

1. ترسيخ التهدئة: في حال نجاح خلية المراقبة في ضبط الخروق وتثبيت وقف النار.
2. تعثر المسار: إذا استمرت التباينات حول دور إيران وملف السلاح.
3. ربط المسارات الإقليمية: ما قد يؤدي إلى تعقيد إضافي في المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية.

 خلاصة تحليلية

تتحرك المفاوضات الحالية ضمن شبكة معقدة من التفاهمات الدولية المتداخلة، حيث لا يمكن فصل المسار اللبناني عن التوازنات الإقليمية، ولا تجاهل تأثير التفاهم الأميركي – الإيراني على دينامية الجنوب اللبناني.

ومع ذلك، يبقى العامل الحاسم في المرحلة المقبلة مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف على تثبيت وقف النار عملياً، ومنع انتقال الانقسام السياسي إلى تصعيد ميداني جديد.


المصدر : Transparency News