سمير المصري



لا يزال حزب الله وأمينه العام الشيخ نعيم قاسم، وفق رؤية منتقديه، يواصلان رفض إعادة بناء الدولة بالشكل الذي تطالب به شريحة واسعة من اللبنانيين. فبعد كل خطاب، يُعاد الحديث عن "مرحلة جديدة"، وكأن ما أصاب لبنان وشعبه من خسائر بشرية واقتصادية نتيجة الصراعات السابقة قد أصبح من الماضي، أو يتم تجاهله.
وكما يحدث بعد كل اتفاق إقليمي أو دولي، سارعت القوى السياسية إلى إعلان قراءتها الخاصة لما جرى. فقد أعلن حزب الله ومحوره أن الاتفاق الأميركي – الإيراني يمثل انتصارًا له، معتبراً أن سلاحه لا يزال الضمانة الأساسية لبقائه، رغم تراجع عدد من القوى التي كانت تدور في فلك ما كان يُعرف بمحور الممانعة، ما جعله أكثر عزلة من الناحية السياسية.
في المقابل، ترى غالبية من اللبنانيين أن البلاد دفعت أثمانًا باهظة نتيجة الانخراط في صراعات إقليمية لا علاقة مباشرة للبنان بها، وأن الأولوية اليوم يجب أن تكون لحصر السلاح بيد الدولة، وإعادة بناء المؤسسات الشرعية، وتعزيز دور الجيش، بحيث يصبح قرار السلم والحرب بيد المؤسسات الدستورية وحدها.
ومن هنا تبرز أسئلة مشروعة: من هو المنتصر الحقيقي بعد الاتفاق الأميركي – الإيراني؟ وأين موقع لبنان في هذا الاتفاق؟ وهل سيكون اتفاقًا طويل الأمد أم مجرد هدنة مؤقتة؟ وما الضمانة ألا يجد لبنان نفسه مجددًا أمام حروب بالوكالة أو حروب إسناد جديدة؟
كما يطرح كثيرون سؤالًا آخر: هل يستطيع لبنان بناء دولة قوية بجيشها واقتصادها ومؤسساتها، وأن يستعيد قراره الوطني المستقل؟
ويرى منتقدو حزب الله أن الحزب بدأ يعتمد وسائل مختلفة للضغط على الدولة، من بينها تحريك الشارع، في محاولة لخلق توترات داخلية. كما يتهمون بعض المسؤولين والإعلاميين المحسوبين عليه بتوجيه اتهامات بالتخوين إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، ووصفهما بالانحياز إلى إسرائيل، رغم مشاركة الحزب بوزراء داخل الحكومة. إلا أن الجيش اللبناني تدخل، وفق هذه الرواية، لمنع أي محاولة لزعزعة الاستقرار.
أما فيما يتعلق بالاتفاق الأميركي – الإيراني، فيعتقد أصحاب هذا الرأي أن إيران تنظر إلى حزب الله باعتباره إحدى أهم أوراقها التفاوضية لتحقيق مكاسب سياسية. ويشيرون إلى حجم الخسائر التي تكبدها الحزب، من آلاف القتلى والجرحى، إضافة إلى الدمار الكبير الذي لحق بقرى الجنوب والضاحية.
ويضيفون أن ما يُتداول عن الاتفاق لا يتضمن بندًا واضحًا يتعلق بإعادة إعمار المناطق المتضررة، بل يركز على انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب، بينما ترتبط ملفات إعادة الإعمار وعودة الأهالي، بحسب هذه القراءة، بالمفاوضات التي تقودها الدولة اللبنانية.
وفي ظل الأزمة المالية الخانقة، يخشى كثيرون أن تلجأ الحكومة إلى فرض ضرائب ورسوم جديدة لتأمين جزء من كلفة إعادة الإعمار، ما يعني تحميل المواطنين أعباء إضافية في ظل أوضاع اقتصادية صعبة.
ويبقى السؤال: هل يقف لبنان اليوم أمام مرحلة جديدة من بناء الدولة، أم أمام مرحلة جديدة من الأزمات الاقتصادية والضرائب، في وقت لا يزال الانقسام السياسي يعوق الوصول إلى رؤية وطنية موحدة؟


المصدر : Transparency News