عقد "لقاء الهوية والسيادة"، مؤتمره بعنوان "السلام: حالة كيانية أم ثقافة واختبار؟"، في القصر البلدي في زوق مكايل، لمناقشة مفهوم السلام بوصفه خيارًا وطنيًا وثقافةً لبناء الدولة، لا مجرد غياب للحرب، حيث جرى التأكيد على ثلاثة محاور رئيسية: البعد الفكري والكياني للسلام، وكلفة غياب السلام على الاقتصاد اللبناني، ومتطلبات بناء دولة قادرة على حماية سيادتها وأمنها، انطلاقًا من قناعة بأن السلام ليس حدثًا سياسيًا عابرًا، بل مشروعًا وطنيًا طويل الأمد.


حضر المؤتمر النائبان اشرف ريفي ونعمة إفرام، النائب البطريركي على نيابة صربا المارونية المطران بولس روحانا ممثلا البطريرك الماروني، رئيس بلدية زوق مكايل ورئيس اتحاد بلديات كسروان الفتوح إلياس بعينو، رئيس الرابطة المارونية المهندس مارون الحلو، المستشارة السياسية في السفارة الاميركية كالي موون، رئيس "لقاء الهوية والسيادة" الوزير السابق يوسف سلامة، ممثلون عن الاحزاب: القوات اللبنانية، الكتائب، حراس الارز، التقدمي الاشتراكي، الديموقراطي اللبناني، التوحيد العربي، الرامغافار، الهانشاك والاحرار،  وشخصيات دينية وسياسية وعسكرية وأكاديمية وإعلامية واجتماعية.

سلامة

النشيد الوطني بداية، فكلمة ترحيبية لعريفة اللقاء الإعلامية ايلديكو ايليا، بعدها ألقى رئيس اتحاد بلديات كسروان الفتوح ورئيس بلدية زوق مكايل ايلي بعينو، كلمة اكد فيها "أن لبنان أحوج ما يكون اليوم إلى مساحات للحوار الوطني المسؤول، وإلى مبادرات تعيد ترسيخ ثقافة العيش المشترك والاستقرار".

بدوره اكد سلامة، في مداخلته ان "السلام مع لبنان حاجة إسرائيلية بقدر ما هو لبنانية لأنّ سلام إسرائيل مع الدول العربية هو سلام مع أنظمة، بينما السلام مع لبنان هو سلام مع الشعب ومن خلاله تُخترق الشعوب العربية"، معتبرا أن "لبنان ازدهر كلما كان مساحة لقاء وتراجع كلما حُوِّل إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية"، معتبرًا أن "السلام لا يتعارض مع السيادة، وليس تنازلا عنها بل يشكل شرطًا لحمايتها، وأن قيام دولة تحتكر قرار الحرب والسلم هو المدخل الطبيعي لاستعادة دور لبنان واستقراره".

واكد ان "حياد لبنان هو الحل الشافي ومعركة مكافحة الفساد تتطلب تغيير الذهنية الحاكمة وسد ثغرات الدستور التعطيلية، وأن السلام ليس مفهوماً نظرياً ولا شعاراً سياسياً، بل هو حاجة وجودية لإنقاذ لبنان وتحويل موارد الدولة من إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل، بما يضمن استقطاب الاستثمارات، وإعادة بناء الاقتصاد، واستعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها، إلى جانب توفير فرص عمل للشباب اللبناني في وطنهم للحد من الهجرة، وتمكين الأجيال القادمة من العيش في وطن مستقر بعيداً عن الحروب المفتوحة".

وشدد على أن "حياد لبنان يشكل الحل الشامل للدفاع عن الوطن المسالم"، لافتاً إلى أنه "في حال تعذر تثبيت هذا الحياد عملياً، فإن من حق لبنان الكامل البحث عن ضمانات دولية تكفل أمنه واستقراره وتحمي سيادته تحت مظلة الشرعية الدولية"، معتبراً أن "هذا التوجه لا يشكل خروجاً عن مبدأ الحياد بل يمثل ضمانة انتقالية لدولة اختارت السلام في منطقة مضطربة تعيش على وقع الصراعات".

ووجّه سلامة "نداءً حازماً إلى مشغلي المنظومة الحاكمة"، قائلاً: "ارفعوا أيديكم عن لبنان ودعوا الوطن يرتاح"، معرباً عن شكوكه في نية المنظومة تحقيق هذا التغيير"، وموجهاً تساؤلاً للسلطة حول مدى جاهزيتها للسلام الذي يمثل مدخلاً لبناء دولة الحداثة القائمة على مؤسسات مستقلة تملك القدرة على المساءلة والمحاسبة".

وحذر من أن "تكون معركة مكافحة الفساد، باعتبارها معركة ذاتية وداخلية بامتياز، أشد صعوبة من معركة استعادة السيادة"، جازماً بأن "نجاح السلطة في عبور هذه المرحلة يستوجب حتماً تغيير الذهنية الحاكمة".

وأوضح أن "هذا التغيير لن يتحقق قبل معالجة الثغرات التعطيلية في الدستور، وإقرار قانون انتخابي جديد يعزز مفهوم المواطنة، ويحمي توازن المجتمع، ويحافظ على تمثيل وازن لكل الطوائف لوضع الوطن على المسار الصحيح".

وأشار رئيس "لقاء الهوية والسيادة" إلى أن اللقاء سبق ورسم خريطة طريق واضحة لولوج هذه الأهداف، حيث عُرضت على جميع الكتل النيابية وحظيت بتبني بكركي، لتشكل الركيزة الأساسية للإنقاذ المطلوب.

يشوعي 

كما أبرز الخبير الاقتصادي الدكتور ايلي يشوعي في مداخلته بعنوان "لبنان: ضريبة تغييب السلام" في أرقام"، الكلفة الاقتصادية الباهظة التي تكبدها لبنان نتيجة عقود من النزاعات وعدم الاستقرار، والتي انعكست انهيارًا اقتصاديًا، وهجرةً للكفاءات، وتراجعًا في الاستثمار وفرص النمو، مؤكدًا "أن السلام يشكل أيضًا خيارًا اقتصاديًا وتنمويًا يفتح الباب أمام إعادة بناء الدولة واستعادة ثقة اللبنانيين والعالم بها".

وتحدث عن "الفرصة الضائعة اذ لو حافظ لبنان على وتيرة نمو "العصر الذهبي" (1952-1974)، لكان ناتجه المحلي اليوم 350 مليار دولار، بدلاً من الانهيار الحالي (نحو 28 مليار دولار)"، مشيرا إلى أن "غياب الاستقرار تسبب في هبوط دخل الفرد السنوي إلى 470 دولاراً، بينما كان من المفترض أن يصل إلى 58 ألف دولار سنويا ما يعادل مستويات الدول المتقدمة".

ورد أسباب النزيف إلى: حروب الوكالة، الفساد الممنهج، وسلب السيادة وتحويل لبنان من دولة إنتاج إلى ساحة لتدوير الديون واستنزاف الودائع وهجرة الكفاءات.

كما دعا يشوعي الى "التمثل وأخذ العبرة من دولة سنغافورة ومساحتها اصغر من مساحة لبنان، التي نجحت في تحقيق ناتج قدره 650 مليار دولار بفضل الاستقرار والشفافية، وهو ما يثبت أن أزمة لبنان هي أزمة "إدارة وسيادة" وليست نقصاً في الإمكانات".

وخلص إلى انه "لا يمكن تحقيق نمو اقتصادي حقيقي دون استعادة "السلام المغيب" وبناء دولة القانون".

آبي سمرا

من جهته، عرض العميد الركن المتقاعد ونائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار طوني ابي سمرا خطة إنقاذية تطرح خارطة طريق لهيكلة الأمن الوطني وبناء "لبنان الغد"، وهي خارطة طريق شاملة للانتقال بالبلاد من منطق إدارة الأزمات الأمنية إلى منطق الوقاية والتعافي، مؤكدا أن "الاستقرار والسلم الأهلي هما الممر الإلزامي الوحيد لأي تعافٍ اقتصادي أو جذب للاستثمارات".

وأوضح أن "الانهيار الحالي هو نتاج عقود من الفساد وتراجع الدولة عن وظائفها الأساسية وسيادتها على حدودها، وأنه الحل لا يكمن في ترميم مؤسسات الماضي، بل في بناء مؤسسات حديثة للمستقبل، تكون صالحة وفعالة كإطار وطني بغض النظر عن الشكل السياسي الذي قد يختاره اللبنانيون مستقبلاً سواء كان نظاماً مركزياً أو فيدرالياً".

وشدد أبي سمرا على أنه "لا يمكن لأسواق الاقتصاد أو ورش الإصلاح السياسي أن تنجح، ما لم تفرض الدولة سيادتها الكاملة وتطبق القانون بطريقة مهنية ومحترفة".        

المقررات

وفي ختام المؤتمر، تلا عضو لقاء الهوية والسيادة قصي شرف الدين المقررات، التي دعت إلى "تعزيز الهوية اللبنانية الجامعة، وترسيخ حق الأجيال المقبلة بالاستقرار، والتأكيد على ان حصرية قرار الدفاع بيد الدولة، وبناء إطار دفاعي وطني يواكب حاجات لبنان، واعتماد الحياد بما يحفظ المصلحة الوطنية، وإطلاق مجلس وطني لتقييم كلفة النزاعات والفرص الضائعة، إلى جانب ورشة إصلاح سياسي وإداري، ومبادرات تربوية وثقافية وشبابية تعزز الحوار والثقة والمواطنة".

واختُتم المؤتمر بحوار أدارته الإعلامية ايلديكو إيليا، خلص إلى مجموعة من الرسائل التي اختصرت مضمون الأوراق الثلاث:

• في الورقة السياسية-الفكرية: السلام ليس هدنة بين حربين، بل ثقافة تُبنى، وهوية تُصان، واختبار دائم لقدرة الدولة على حماية الإنسان.

• في الورقة الاقتصادية: كلفة غياب السلام لا تُقاس بما خسره لبنان ماديًا فحسب، بل أيضًا بما خسره من فرص كان يمكن أن تصنع مستقبله.

• في الورقة الأمنية: السلام يحتاج إلى دولة قادرة، والدولة القادرة تحتاج إلى إطار دفاعي وطني يحمي الإنسان، ويصون الحدود، ويكرّس سيادة القانون على الجميع.

وأكد المشاركون أن السلام الذي يحتاجه لبنان ليس مجرد تسوية سياسية، بل مشروع دولة متكامل، يجمع بين السيادة والحرية، والتنمية والعدالة، ويعيد إلى لبنان دوره الطبيعي كمساحة لقاء ورسالة حضارية في محيطه العربي والمتوسطي.


المصدر : Transparency News