الإعلامية سماح الحاج


ليس ما كُتب في واشنطن هو الامتحان... بل ما سيُنفذ في الجنوب

لم يكن التوصل إلى إطار اتفاق في واشنطن نهاية المسار، بل بدايته. ففي الشرق الأوسط، لا تُقاس الاتفاقات بما يُوقع في القاعات المغلقة، بل بما ينجح في الصمود عندما ينتقل من الورق إلى الميدان. ولبنان يعرف هذه الحقيقة أكثر من غيره، لأنه لم يعش أزمة نقص في الاتفاقات، بل أزمة تنفيذها. من هنا، لا يبدو السؤال الحقيقي اليوم: ماذا يتضمن الإطار؟ بل: هل يستطيع أن يتحول إلى اتفاق قابل للحياة، أم أنه سيلتحق بسلسلة طويلة من النصوص التي بقيت حبرًا على ورق؟

الحديث عن إطار الاتفاق فتح بابًا واسعًا من الانقسام داخل لبنان. فهناك من رأى فيه فرصة لإعادة تثبيت دور الدولة، فيما اعتبره آخرون مجرد وثيقة سياسية لا ترقى إلى مستوى الاتفاق النهائي. وبين هذين الموقفين، يبقى الثابت الوحيد أن ما أُنجز حتى الآن لا يزال إطارًا يحتاج إلى مراحل سياسية وأمنية ودبلوماسية طويلة قبل أن يصبح اتفاقًا فعليًا.

الإطار ليس اتفاقًا... والطريق يبدأ بعد التوقيع

الخلط بين الإطار والاتفاق قد يكون أول الأخطاء في قراءة المرحلة. فالإطار يرسم المبادئ العامة، لكنه لا يحسم تفاصيل التنفيذ، ولا يجيب عن كل الأسئلة التي ستفرضها الوقائع على الأرض. لذلك، فإن أصعب مرحلة لا تبدأ قبل التوقيع، بل بعده، عندما تتحول البنود إلى التزامات، وتتحول النيات إلى اختبارات.

التاريخ يقدم عشرات الأمثلة على ذلك. فالاتفاقات التي وُقعت في قصور العالم، من فرساي إلى محطات إقليمية لاحقة، لم تنجح لأن نصوصها كانت متقنة، بل لأنها وجدت إرادة سياسية وآليات قادرة على فرض تنفيذها. وفي المقابل، سقطت اتفاقات كثيرة رغم قوة نصوصها، لأنها اصطدمت بموازين القوى أو بتبدل المصالح أو بغياب الثقة بين الأطراف.

ولبنان ليس استثناءً. فمن اتفاق الطائف إلى القرار 425، مرورًا بالقرار 1701 ومحطات سياسية أخرى، لم تكن المشكلة يومًا في صياغة النصوص، بل في تحويلها إلى وقائع. ولهذا، فإن نجاح الإطار الحالي لن يُقاس بما كُتب فيه، بل بقدرته على عبور أول اختبار عملي.

التنفيذ... البند الذي لم يُحسم

يقوم الإطار على قاعدة واضحة: التنفيذ مقابل التنفيذ. أي أن كل خطوة لبنانية يفترض أن يقابلها تنفيذ إسرائيلي، وكل التزام من طرف ينتظر التزامًا مماثلًا من الطرف الآخر. لكن هذه المعادلة، التي تبدو متوازنة نظريًا، تتحول عمليًا إلى نقطة الضعف الأساسية.

فماذا لو تأخر أحد الطرفين؟ ماذا لو رفض تنفيذ أحد البنود؟ ومن يملك القدرة على إلزامه؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلًا قانونيًا، بل هي جوهر الاتفاق كله. فالضمانات لا تُقاس بما يُكتب في البيانات، بل بوجود جهة قادرة على فرض احترام الالتزامات عندما تبدأ المصالح بالتضارب.

وهنا تكمن الثغرة التي وُلد معها الإطار. فالمشكلة ليست في البنود، بل في غياب جواب واضح عن آلية التنفيذ، وعن الجهة التي ستتولى مراقبته وضمان استمراره إذا تعثر المسار.
الامتحان الأول... الانسحاب قبل أي شيء انشغل اللبنانيون سريعًا بملف السلاح، لكن السؤال الذي يسبق كل النقاشات هو: هل ستنسحب إسرائيل؟

إذا كان الهدف هو بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، فإن أول اختبار لا يبدأ في الداخل، بل على الحدود. فلا يمكن الحديث عن سيادة مكتملة فيما يبقى الاحتلال قائمًا، ولا يمكن مطالبة الدولة بتحمل مسؤولياتها كاملة قبل تنفيذ الالتزامات المقابلة.

ولهذا، فإن الامتحان الحقيقي للإطار ليس جمع السلاح، بل تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي. فإذا تحقق ذلك، يصبح الحديث عن بسط سلطة الدولة والجيش على كامل الأراضي اللبنانية مسارًا طبيعيًا. أما إذا بقي الاحتلال أو استمرت الخروقات، فإن الاتفاق سيدخل منذ لحظته الأولى في أزمة تنفيذ، وسيعود السؤال القديم ليفرض نفسه: من يحمي الأرض عندما يتعثر الاتفاق؟


المصدر : Transparency News