إيلي إ. حرب


لا تقتصر المفاوضات الدائرة في الدوحة بين الولايات المتحدة وإيران على الملف النووي، بل هي ساحة صراع إقليمي تبدأ من مضيق هرمز وصولا إلى لبنان. المقاربة الإيرانية للمفاوضات تتقاطع مع تلك التي يتبعها الثنائي الشيعي في التعامل مع المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، حيث يتقدم التركيز على التفاصيل ورفع سقف الشروط، في تسويات مرحلية، على ما يقدمه المساران من رؤية مستقبلية للأوضاع. 

تكشف المفاوضات غير المباشرة الجارية في الدوحة عن تباين واضح في استراتيجية التفاوض بين الطرفين. فواشنطن على حد قول مصدر رسمي تسعى إلى إقناع الإيرانيين ب "النظر إلى الصورة الأكبر، أي إلى الفرص التي قد يتيحها اتفاق شامل يتناول البرنامج النووي إلى جانب ترتيبات إقليمية قائمة على مبدأ عدم التدخل". في المقابل، تحيك طهران مسار ربط الملفات عبر مراكمة مكاسب محددة أبرزها ضمان تحكمها بمضيق هرمز، الإفراج عن جزء من الأصول المالية المجمدة، والحصول على ضمانات أميركية تحد من الهجمات الإسرائيلية في لبنان بما يحافظ على موقع حزب الله. وتراهن طهران على أن هذه المكاسب الآنية توفر لها متنفساً اقتصادياً وسياسياً، وتمنحها الوقت اللازم قبل الانتقال إلى مفاوضات أكثر تعقيداً تتناول الملفات الكبرى.

تنعكس المقاربة الإيرانية هذه إلى حد كبير على أداء الثنائي الشيعي وموقفهم من إدارة المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية. فبدلاً من التركيز على ما قد ينتجه الاتفاق من مكاسب مستقبلية للبنان، سواء عبر تثبيت الاستقرار في الجنوب،  استكمال الانسحاب الإسرائيلي من النقاط المتنازع عليها وفتح الباب أمام تفاهمات أمنية واقتصادية لاحقة، يتركز خطاب الثنائي على رفض مبدأ المفاوضات، الاعتراض على فكرة المناطق التجريبية، والتشكيك في آليات التنفيذ، بالتوازي مع توجيه الانتقادات إلى الحكومة وتحميلها مسؤولية أي تنازل محتمل وصولا إلى تخوين رئيسي الجمهورية والحكومة والتحذير من فتنة وحتى التهديد باستخدام الشارع.

في قراءة تحليلية أولية، يعكس هذا السلوك اعتماد الثنائي المقاربة التفاوضية الإيرانية نفسها، والقائمة على التركيز على التفاصيل الإجرائية وإبطاء مسار التفاوض أكثر من السعي إلى استثمار المكاسب المستقبلية الممكنة. فإيران، بحسب مؤشرات عدة، تواجه  أيضاً اعتبارات داخلية تتمثل في رفض التيارالمتشدد لأي مذكرة تفاهم قد تحد من نفوذه داخلياً وإقليمياً. ولذلك، يصبح كسب الوقت بحد ذاته هدفاً تفاوضياً يسمح بإدارة التوازنات داخل النظام الإيراني قبل حسم الخيارات الكبرى. وفي السياق نفسه، يمكن تفسير تشدد الثنائي الشيعي في لبنان من زاويتين مترابطتين. الأولى، الخشية من أن يؤدي نجاح المناطق التجريبية إلى تكريس نموذج قابل للتوسع تدريجياً، بما يمهد لاحقاً لطرح ملفات أكثر حساسية، وفي مقدمها حصرية السلاح بيد الدولة. والثانية، الحرص على عدم الخروج عن الموقف الإيراني، باعتبار أن الساحتين اللبنانية والإيرانية تشكلان جزءاً من معادلة تفاوضية واحدة، بحيث يصبح تعطيل التقدم في بيروت ورقة إضافية في يد طهران في مفاوضاتها والعكس أيضا صحيح.

ختاما ، الاستراتيجية الإيرانية في المفاوضات تعكس منطقاً واحداً يقوم على إدارة الوقت، واستخدام التفاصيل الإجرائية لتأجيل القرارات الكبرى، بانتظار تبدل موازين القوى أو توافر ظروف تتيح تحقيق مكاسب أكبر. وتالياً إن الاستمرار في هذا النهج يفوّت على المنطقة وخصوصاً على لبنان، فرصة الاستفادة من تسويات قد تؤدي إلى استقرار طويل الأمد.


المصدر : Transparency News