تشير معطيات سياسية إلى أن سوريا تعتمد مقاربة جديدة في التعاطي مع الملف اللبناني، تقوم على الانخراط عبر المؤسسات والدولة بدلاً من المواجهة المباشرة، في ظل تحولات إقليمية متسارعة ومبادرات دولية تهدف إلى إعادة تشكيل التوازنات في لبنان والمنطقة.


بعيدًا عن إرث الوصاية والصراعات التاريخية، تفرض الجغرافيا السياسية معادلة ثابتة مفادها أن سوريا لا يمكنها تجاهل لبنان، باعتباره عنصرًا مؤثرًا في أمنها الداخلي، و”خاصرة رخوة” قد تتحول إلى مصدر تهديد إذا تُركت خارج أي توازن إقليمي منظم.

في هذا السياق، تتجه المقاربة السورية الجديدة، وفق تقديرات سياسية، نحو ما يوصف بسياسة “احتواء التوازنات” بدل المواجهة المباشرة، مع التركيز على دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها، ضمن إطار اتفاق الطائف كمرجعية أساسية للعلاقات بين البلدين.

وتشير هذه المقاربة إلى قطيعة مع النهج السابق في التعامل مع لبنان كساحة نفوذ، لصالح خطاب يقوم على الانفتاح السياسي والعمل عبر الدولة، في مقابل تقليص مساحة التدخلات غير المباشرة.

التحرك السوري: زيارة الشيباني ورسائل سياسية

برزت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت كأول تطبيق عملي لهذه المقاربة، حيث حملت وفق مصادر سياسية رسائل متعددة الاتجاهات، تركز على:

* دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها
* تأكيد مرجعية اتفاق الطائف
* الانفتاح على مختلف المكونات السياسية
* محاولة تبديد الهواجس الداخلية

وتشير التقديرات إلى أن هذه الرسائل تأتي ضمن رؤية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة قواعد العلاقة اللبنانية – السورية ضمن إطار رسمي ومؤسساتي.

 توقيت حساس ومشهد إقليمي معقّد

تزامنت الزيارة مع تطورات سياسية وأمنية داخلية في لبنان، أبرزها توقيع اتفاق إطار تفاوضي برعاية أميركية، ما أضاف بعدًا إقليميًا للمشهد اللبناني.

كما ترافقت مع تجاذبات سياسية داخلية حادة حول موقع الدولة ودورها، في ظل استمرار الانقسام حول آليات التفاوض والقرارات السيادية.

وتشير معطيات متداولة إلى أن التحرك السوري يتقاطع مع جهود دولية أوسع لإعادة تنظيم التوازنات في المنطقة، بمشاركة أطراف عربية وإقليمية فاعلة.

إعادة تموضع إقليمي ودور الولايات المتحدة

تندرج هذه التحركات، وفق قراءات سياسية، ضمن مسار تدعمه واشنطن لإعادة رسم التوازنات في لبنان، عبر تعزيز دور الدولة اللبنانية كمحور أساسي في أي تسوية مستقبلية.

كما يُطرح تصور يقوم على إشراك سوريا في المعادلة الإقليمية كعامل توازن في مقابل النفوذ الإيراني، ضمن مقاربة تهدف إلى الحد من التصعيد وإعادة ضبط قواعد الاشتباك في المنطقة.

لبنان بين خيارات ضيقة

في ضوء هذه التطورات، تبدو الخيارات أمام لبنان محصورة بين:

* تعزيز مسار الدولة والمؤسسات
* استمرار حالة الاستقطاب الإقليمي
* أو تصاعد الضغوط الأمنية والسياسية على الساحة الداخلية

وتشير قراءات سياسية إلى أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا لقدرة الدولة اللبنانية على تثبيت موقعها في ظل التوازنات الجديدة.

خلاصة

تعكس التحركات السورية الأخيرة، وفق هذا الطرح، محاولة لإعادة إدخال دمشق إلى المعادلة اللبنانية من بوابة الدولة، ضمن سياق إقليمي أوسع يشهد إعادة تشكيل تدريجية لموازين القوى، بانتظار ما ستؤول إليه التفاعلات الداخلية والإقليمية في المرحلة المقبلة.


المصدر : وكالات