انتظروا المقاتلين... فجاءهم الشيباني
08-07-2026 11:21 AM GMT+03:00
بين المقاتل والدبلوماسي... غيّرت دمشق قواعد اللعبة
الخطأ الأكبر الذي وقع فيه كثيرون خلال الأشهر الماضية، أنهم كانوا يراقبون الحدود، فيما كانت دمشق تراقب السياسة. انشغل اللبنانيون بسيناريوهات الجماعات المسلحة، وباحتمال انتقال الفوضى السورية إلى الداخل اللبناني، لكن الرسالة التي وصلت لم تكن أمنية، بل دبلوماسية. لم يدخل مقاتلون، بل دخل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وكأن دمشق أرادت أن تقول إن زمن استعادة النفوذ بالقوة قد انتهى، وإن معركة التأثير تُخاض اليوم بأدوات مختلفة.
طرابلس لم تكن مجرد محطة
في السياسة، لا قيمة للزيارات إذا لم تُحدث أثرًا. ولذلك، لم يتوقف كثيرون عند اللقاءات الرسمية بقدر ما توقفوا عند مشهد طرابلس. بالنسبة إلى عدد من المحللين، لم يكن الاستقبال مجرد بروتوكول، بل إشارة إلى أن دمشق تحاول فتح قنوات تواصل مع شرائح لبنانية كانت العلاقة معها معقدة لسنوات. هذه القراءة لا تعني أن نتائجها محسومة، لكنها تفسر لماذا حظي المشهد بكل هذا الاهتمام.
النفوذ لا يبدأ من القصور... بل من الشارع
من يقرأ تاريخ المنطقة يدرك أن النفوذ السياسي لا يُقاس فقط بحجم العلاقات الرسمية، بل أيضًا بالقدرة على بناء حضور داخل المجتمعات. ويرى بعض المراقبين أن دمشق، في ظل المتغيرات التي شهدتها سوريا والمنطقة، تحاول اختبار أدوات جديدة للحضور السياسي، عبر الانفتاح والحوار، بدل الاعتماد على الأدوات التي ارتبطت بمرحلة مختلفة من تاريخ العلاقات اللبنانية – السورية.
التوقيت... أكثر ما يثير الأسئلة
بعد الزيارة، شهدت سوريا تطورات أمنية أعادت التوتر إلى الواجهة. لا توجد معطيات تخول الربط المباشر بين الحدثين، لكن التزامن الزمني فتح بابًا واسعًا للتأويلات السياسية. ففي منطقة تتشابك فيها الملفات، كثيرًا ما تُقرأ التطورات الأمنية والسياسية ضمن سياق واحد، حتى عندما تبقى الوقائع نفسها قيد التحقيق.
لبنان في قلب التحولات
كل ذلك يحدث فيما لا يزال لبنان يعيش انقسامًا داخليًا، وتفاهمات لم ترتقِ بعد إلى تسوية وطنية شاملة. فالمشهد الداخلي لا يزال هشًا، وأي تحرك إقليمي يجد صداه سريعًا في الساحة اللبنانية. لذلك، فإن النقاش الذي أثارته زيارة الشيباني لا يتعلق فقط بسوريا، بل أيضًا بقدرة لبنان على إدارة علاقاته الخارجية من موقع الدولة، لا من موقع الاصطفافات.
الأيام المقبلة هي الاختبار
قد تكون زيارة الشيباني بداية لمسار جديد، وقد تبقى مجرد محطة عابرة؛ لكن المؤكد أنها أعادت طرح أسئلة قديمة بصيغة جديدة: كيف ستُبنى العلاقة بين دمشق وبيروت في المرحلة المقبلة؟ وهل يستطيع لبنان، وسط هشاشته السياسية، أن يحصّن قراره الوطني في وقت تعيد فيه المنطقة رسم توازناتها؟
ففي الشرق الأوسط، ليست كل الرسائل تُكتب بالحبر، ولا كل المعارك تُخاض بالسلاح. وأحيانًا، يكون الدبلوماسي أكثر تأثيرًا من المقاتل، لا لأنه يحمل قوة أكبر، بل لأنه يحمل مشروعًا مختلفًا.
المصدر : Transparency News








