الإعلامية سماح الحاج


زيارة الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن تعيد فتح ملف يعود إلى الثمانينيات: ما الذي تغيّر في لبنان والمنطقة؟ وهل تبدّلت موازين القوى بما يكفي لإنجاح مسارات لم تُكتب لها الاستمرارية في الماضي

واشنطن... عندما يعود التاريخ إلى الواجهة

ليست كل زيارة لرئيس لبناني إلى الولايات المتحدة مجرد محطة دبلوماسية. فبعض الزيارات ارتبطت بمحطات مفصلية في تاريخ لبنان، حيث تداخلت التحولات الداخلية مع المشاريع الإقليمية والدولية.

لذلك، تستقطب زيارة الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن اهتماماً يتجاوز الملفات الثنائية المعتادة، لتطرح سؤالاً سياسياً أوسع: هل يقف لبنان أمام مرحلة جديدة في علاقته بالولايات المتحدة، أم أن ما يجري اليوم يندرج ضمن مسار مختلف تماماً عن محطات سابقة؟

العودة إلى التاريخ ليست للمقارنة بين الأشخاص، بل لفهم كيفية تغيّر موازين القوى

1982 – 1983: عندما راهنت واشنطن على لحظة سياسية مختلفة

في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، دخلت الولايات المتحدة بقوة على خط إدارة الأزمة اللبنانية. زار الرئيس المنتخب بشير الجميل واشنطن، ثم جاء عهد الرئيس أمين الجميل الذي شهد توقيع اتفاق 17 أيار عام 1983 بدعم أميركي.

في ذلك الوقت، كانت إسرائيل موجودة عسكرياً في أجزاء واسعة من لبنان، وكانت القوات الأميركية جزءاً من القوة متعددة الجنسيات، فيما اعتبرت إدارة رونالد ريغان أن الظروف مؤاتية لإطلاق مسار سياسي وأمني جديد.

لكن الاتفاق لم يستمر. فقد واجه رفضاً داخلياً وانعكاسات إقليمية أدت إلى إلغائه بعد أقل من عام، لتبقى تلك التجربة واحدة من أبرز محطات التاريخ السياسي اللبناني.

اليوم... مشهد مختلف وأسئلة متشابهة

بعد أكثر من أربعة عقود، يبدو المشهد مختلفاً في الشكل.

لا وجود سورياً في لبنان كما كان في الثمانينيات، فيما تغيّرت خريطة النفوذ الإقليمي، وتعرضت إيران وحلفاؤها خلال السنوات الأخيرة لضغوط عسكرية وسياسية متزايدة، بالتزامن مع استمرار العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وبدء تنفيذ ترتيبات أمنية بعد الحرب الأخيرة.

وفي الوقت نفسه، تحظى المؤسسة العسكرية اللبنانية بدعم دولي واضح، فيما تؤكد الدولة اللبنانية أن هدفها هو استعادة القرار الأمني وتطبيق القرارات الدولية وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.

قراءتان لمسار واحد من هنا، تنقسم القراءات السياسية.

فريق يرى أن المرحلة الحالية تختلف جذرياً عن تجربة الثمانينيات، لأن العنوان اليوم هو تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، وليس البحث في اتفاقات سياسية مع إسرائيل. ووفق هذا المنظور، فإن دعم الجيش، وتثبيت سلطة الدولة، وتنفيذ القرارات الدولية، تشكل عناصر ضرورية لاستعادة الاستقرار.

في المقابل، يرى فريق آخر أن بعض المسارات الحالية تعيد إلى الأذهان محاولات أميركية سابقة لإعادة ترتيب الواقع اللبناني، حتى وإن اختلفت الأدوات والظروف والعناوين.

وبين هاتين المقاربتين، تبقى زيارة الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن محطة أساسية لفهم اتجاه المرحلة المقبلة.

هل أصبحت الظروف أكثر ملاءمة؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بنتائج الزيارة، بل بالبيئة السياسية المحيطة بها.

هناك من يرى أن واشنطن تعتبر أن الظروف أصبحت أكثر ملاءمة مما كانت عليه قبل أكثر من أربعين عاماً، استناداً إلى مجموعة من المتغيرات، أبرزها:

غياب الوجود العسكري السوري في لبنان.

التحولات التي شهدها الإقليم خلال العقدين الماضيين.

الدعم الدولي المتزايد للمؤسسات الرسمية اللبنانية.

الرغبة الدولية في تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية.

في المقابل، يرى آخرون أن عناصر التعقيد لا تزال قائمة، وفي مقدمها استمرار المواجهة مع إسرائيل، وملف سلاح حزب الله، والانقسامات السياسية الداخلية، وهي عوامل تجعل أي مسار جديد مرتبطاً أولاً بالتوافق اللبناني، وليس فقط بالدعم الخارجي

هل تغيّر ميزان القوى أم تغيّرت المقاربة؟

قد لا تكون المقارنة بين عام 1983 واليوم مقارنة بين اتفاقين أو بين شخصيتين سياسيتين، بل بين مرحلتين تاريخيتين تختلفان في الظروف، لكنهما تطرحان سؤالاً مشتركاً: إلى أي مدى يستطيع العامل الخارجي التأثير في المسار اللبناني؟

بين من يرى في زيارة واشنطن فرصة لتعزيز الدولة ومؤسساتها، ومن يعتبر أنها تأتي في سياق إعادة رسم التوازنات الإقليمية، يبقى الحكم على النتائج سابقاً لأوانه.

لكن الثابت أن زيارة جوزيف عون تأتي في لحظة مفصلية، وأن ما سيحدد مسارها ليس فقط ما سيُناقش في البيت الأبيض، بل أيضاً قدرة اللبنانيين على إنتاج مقاربة داخلية تتعامل مع تحديات المرحلة المقبلة.


المصدر : Transparency News