لبنان لا يحتاج إلى مطار جديد فقط... بل إلى كسر احتكار المنافذ
20-07-2026 03:04 PM GMT+03:00
لم يكن افتتاح رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام لمطار الرئيس رينيه معوض في القليعات، والبدء بتشغيل ميناء جونيه لاستقبال الرحلات السياحية البحرية إلى قبرص، مجرد حدثين إداريين أو سياحيين. بل شكّلا إعلاناً، ولو متأخراً، عن بداية مراجعة لواحدة من أكثر السياسات التي كبّلت الاقتصاد اللبناني طوال عقود: حصر الدولة بمنفذ جوي رئيسي واحد، ومنفذ بحري رئيسي واحد، وكأن لبنان محكوم بأن يضع "كل بيضه في سلة واحدة"!
في عالم اليوم، لا تُقاس قوة الدول بعدد مرافئها ومطاراتها فحسب، بل بقدرتها على توزيع الحركة الاقتصادية، وتخفيف المخاطر، وتحويل كل منطقة إلى مركز إنتاج واستثمار. أما لبنان، فقد ظل لعقود يدور في فلك مركزية مفرطة جعلت مطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ بيروت أشبه بعنقي زجاجة، تمر عبرهما معظم الحركة التجارية والسياحية، فيما بقيت مرافق أخرى جاهزة أو قابلة للتطوير خارج دائرة القرار السياسي.
اقتصادياً، لا يحتاج الأمر إلى كثير من الجدل. فكل مطار جديد يعني حركة نقل إضافية، وشركات طيران، وفنادق، واستثمارات، ومراكز شحن، وفرص عمل مباشرة وغير مباشرة. وكل ميناء جديد يفتح الباب أمام التجارة البحرية، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والصناعات المرتبطة بالنقل والتخزين. والأهم أنه يخلق دورة اقتصادية في المناطق، بدلاً من تركيز الثروة والخدمات في العاصمة وحدها.
فالإنماء المتوازن ليس شعاراً دستورياً فحسب، بل سياسة اقتصادية أثبتت نجاحها في مختلف دول العالم. تركيا، على سبيل المثال، لم تبنِ نهضتها اللوجستية عبر مطار إسطنبول وحده، بل عبر شبكة واسعة من المطارات المدنية والموانئ التجارية الممتدة من البحر الأسود إلى المتوسط. وقبرص، التي لا تتجاوز مساحتها جزءاً يسيراً من مساحة لبنان، تعتمد مطاري لارنكا وبافوس، إلى جانب أكثر من ميناء تجاري وسياحي. واليونان، ذات الجغرافيا البحرية المشابهة، جعلت من تعدد الموانئ والمطارات ركيزة لصناعة سياحية تدر مليارات اليوروهات سنوياً. حتى الأردن، رغم محدودية واجهته البحرية، لم يكتفِ بمطار واحد، فيما تدير مصر منظومة واسعة من المطارات والموانئ تخدم مختلف الأقاليم.
أما في لبنان، فكان النقاش يتوقف دائماً عند السؤال نفسه: لماذا لا يُفتح مطار القليعات؟ ولماذا لا تتوسع المرافئ البحرية خارج بيروت؟ ولماذا بقيت عشرات الدراسات حبراً على ورق؟
الإجابة لم تكن تقنية ولا مالية في معظم الأحيان، بل سياسية بامتياز.
لقد ارتبط تعطيل هذه المشاريع، في الخطاب السياسي اللبناني، بمعارضة حزب الله لأي توسع في إنشاء أو تشغيل منافذ بحرية وجوية إضافية. إلا أن الحزب لم يقدم، على امتداد سنوات، تفسيراً اقتصادياً أو قانونياً متكاملاً يبرر هذا الرفض، ما فتح الباب واسعاً أمام التأويلات. فكان واضحاً أن السبب يعود إلى عدم رغبته بقيام منافذ لا تخضع للمعادلات الأمنية والسياسية التي كرّستها السنوات الماضية، فيما ينفي الحزب عادةً هذه المقاربة ويعتبر أن مواقفه ترتبط باعتبارات وطنية أو بترتيب الأولويات. وبين الروايتين، بقي اللبنانيون هم الخاسر الأكبر، لأن النتيجة العملية كانت تجميد مشاريع تنموية كان يمكن أن تغيّر وجه الاقتصاد الوطني.
واليوم، تبدو الصورة مختلفة. فإعادة تشغيل مطار رينيه معوض ليست مجرد إضافة مدرج جديد إلى خارطة الطيران، بل خطوة نحو إعادة رسم الخريطة الاقتصادية للبنان. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ميناء جونيه، الذي قد يشكل نواة لعودة النقل البحري السياحي المنتظم، ويؤسس لاستثمارات تمتد إلى الفنادق، والمرافئ الترفيهية، والخدمات البحرية، والأسواق المحلية.
ولا يقتصر الأمر على الاقتصاد. فتعدد المنافذ هو أيضاً قضية سيادة وأمن قومي. فالدول الحديثة لا تربط حركة مواطنيها وتجارتها بمنفذ وحيد قد يتعطل بحرب أو كارثة طبيعية أو أزمة أمنية. وقد أثبت انفجار مرفأ بيروت عام 2020، كما أثبتت أزمات الطيران العالمية والحروب الإقليمية، أن وجود بدائل تشغيلية لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية.
المفارقة أن لبنان يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون منصة إقليمية للنقل البحري والجوي، لكنه افتقر طويلاً إلى القرار السياسي. فالبلاد لا ينقصها الموقع الجغرافي، ولا الكفاءات، ولا القطاع الخاص القادر على الاستثمار، بل الإرادة في تحرير مشاريع البنى التحتية من الحسابات السياسية الضيقة.
إن نجاح تجربة القليعات وجونيه يجب ألا يكون نهاية المطاف، بل بداية لمسار وطني أشمل، يشمل تطوير مرفأ طرابلس ليكون بوابة المتوسط الشرقية، وتحديث مرافئ صيدا وصور حيثما تثبت الجدوى الاقتصادية، وربط هذه المرافق بشبكة طرق وسكك حديد مستقبلية ومناطق لوجستية حديثة، بما يحول لبنان إلى منصة إقليمية للتجارة والخدمات.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي تحتكر منافذها تقيّد اقتصادها، بينما الدول التي تنوعها تضاعف فرصها. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا نحتاج إلى أكثر من مطار أو أكثر من ميناء؟ بل لماذا تأخر لبنان كل هذه السنوات في اتخاذ هذا القرار؟
قد يكون افتتاح القليعات وتشغيل ميناء جونيه بداية تصحيح لمسار طويل من الفرص الضائعة. وإذا اقترنت هذه الخطوات برؤية وطنية شاملة، وإدارة شفافة، واستثمارات مدروسة، فإن لبنان لن يضيف مجرد مرافق جديدة إلى خريطته، بل سيضيف محركات جديدة للنمو، وفرصاً جديدة لأبنائه، ويؤكد أن الدولة القوية هي التي تتعدد فيها منافذ التنمية، لا تلك التي تحتكرها.
المصدر : Transparency News








