من واشنطن إلى دمشق وبيروت... من يربح معركة الدولة أولاً؟
23-07-2026 11:27 AM GMT+03:00
واشنطن... محطة مشتركة والوجهتان مختلفتان
انتهت زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون إلى واشنطن، بعد أشهر على الزيارة التي كان قد سبقه إليها الرئيس السوري أحمد الشرع. وقد تبدو المقارنة بين الزيارتين للوهلة الأولى غير دقيقة، لأن لكل من لبنان وسوريا ظروفه السياسية والأمنية المختلفة، لكن ما يجمعهما أن كلاً من الرئيسين قصد العاصمة الأميركية حاملاً مشروعاً لدولته، طالباً دعماً لمسار سياسي جديد.
ليست هذه مقارنة بين رئيسين، بل بين مشروعين للدولة. فكلاهما زار واشنطن في لحظة تعيد فيها الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها في المشرق، لكن لكل منهما مهمة مختلفة، وربما مصيراً مختلفاً أيضاً.
الشرع يريد الدخول... وعون يريد الخروج
قد تبدو المفارقة بسيطة، لكنها تختصر المشهد بأكمله. أحمد الشرع يريد إدخال سوريا مجدداً إلى المجتمعين الإقليمي والدولي بعد سنوات من الحرب والعزلة والعقوبات، فيما يسعى جوزف عون إلى إخراج لبنان من دائرة الارتهان لملفات المنطقة، ليعود دولة مستقلة بقرارها، لا ساحة لتقاطع الصراعات الإقليمية.
فالشرع ذهب إلى واشنطن ليؤكد أن سوريا دخلت مرحلة جديدة تستحق رفع العقوبات، واستعادة العلاقات الدولية، وفتح باب الاستثمارات وإعادة الإعمار. أما عون، فذهب ليؤكد أن لبنان ليس مجرد امتداد لملفات سوريا أو إيران و إسرائيل، بل دولة تستحق أن تُدعم لاستعادة سيادتها ومؤسساتها.
معركتان... لكن الهدف واحد
ورغم اختلاف المسارين، فإن الهدف النهائي يكاد يكون واحداً: بناء دولة قادرة على احتكار القرار والسيادة.
فالشرع يحاول بناء دولة بعد سقوط النظام السابق، وتثبيت سلطة الدولة على كامل الأراضي السورية، وإقناع العالم بأن دمشق أصبحت شريكاً يمكن التعامل معه.
أما عون، فيحاول استعادة دولة لم تنهَر مؤسساتها بالكامل، لكنها فقدت تدريجياً قدرتها على احتكار القرار الأمني والعسكري، وعلى فرض سيادتها الكاملة على أراضيها.
ولذلك، إذا كانت معركة سوريا هي بناء الدولة، فإن معركة لبنان هي استعادة الدولة.
الدولة والسلاح... الاختبار الحقيقي
ما يدعم هذه المقاربة أن الخطاب الدولي في الملفين يكاد يلتقي عند عنوان واحد: الدولة أولاً.
لكن التطبيق يختلف بين البلدين. ففي سوريا، يرتبط نجاح السلطة الجديدة بقدرتها على فرض سيطرة الدولة على كامل الأراضي، واستكمال مسار إعادة الاندماج في المجتمع الدولي بعد خطوات أميركية فتحت الباب أمام تخفيف العقوبات والانفتاح السياسي.
أما في لبنان، فيرتبط النجاح بقدرة الدولة على استكمال انتشار الجيش، وإنجاز الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وترجمة مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة إلى واقع عملي، بما يعيد للمؤسسات احتكار القرار الأمني والسيادي.
من يملك الطريق الأقصر؟
قد يبدو أن أحمد الشرع يملك طريقاً أسرع نحو تحقيق أهدافه الخارجية، بعدما بدأ مسار إعادة سوريا إلى الحضور الدولي.
أما جوزف عون، فيواجه مهمة أكثر تعقيداً، لأن نجاحه لا يتوقف على الدعم الخارجي وحده، بل على قدرته في بناء توافق داخلي يسمح باستعادة الدولة، وسط شبكة معقدة من الانقسامات السياسية والطائفية والتجاذبات الإقليمية.
وهذا ما يجعل معركة بيروت أكثر صعوبة، حتى وإن كانت مؤسساتها أقدم وأكثر رسوخاً من مؤسسات الدولة السورية بعد سنوات الحرب.
الحكم ليس في واشنطن... بل بعدها
لا تُقاس الزيارات الرئاسية بعدد اللقاءات أو الصور التذكارية، بل بما تتركه من أثر على الأرض.
قد يكون أحمد الشرع عاد من واشنطن حاملاً فرصة لإعادة سوريا إلى العالم، فيما عاد جوزف عون حاملاً فرصة لإعادة الدولة إلى لبنان.
لكن بين الفرصتين، لن يكون النجاح من نصيب من حصد أكبر قدر من الوعود، بل من يستطيع تحويل تلك الوعود إلى مؤسسات، وسيادة، ودولة قادرة على فرض قرارها على كامل أراضيها.
فالحكم الحقيقي لن يصدر في البيت الأبيض، بل في دمشق وبيروت، حيث تبدأ دائماً أصعب المعارك: معركة بناء الدولة... أو استعادتها.








