منذ سنوات، تحول ملف النفايات في لبنان إلى نموذج صارخ لغياب التخطيط والشفافية، حيث اتُّخذت قرارات بمليارات الليرات والدولارات من دون نقاش عام كافٍ، وبعقود بقي كثير من تفاصيلها بعيداً عن الرأي العام. واليوم، يبدو أن مجلس بلدية بيروت الحالي يحاول كسر هذه المعادلة، رافضاً أن يكون مجرد جهة تمنح الغطاء الإداري لقرارات تُتخذ في أماكن أخرى، من دون رؤية وطنية متكاملة لإدارة النفايات.


في هذا السياق، عُقد يوم الاثنين اجتماع في السراي الحكومي ضم رئيس مجلس الوزراء ووزيري الداخلية والبيئة، ونواب بيروت، ومحافظ بيروت، ورئيس مجلس بلدية بيروت، ورئيس مجلس الإنماء والإعمار، ورئيس الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة، لمناقشة الحلول المطروحة لمعالجة النفايات الصلبة في العاصمة.

ورغم أهمية الاجتماع، إلا أنه لم يخرج بقرار حاسم، باستثناء توافق عدد من نواب بيروت على ضرورة إعداد دراسات علمية واضحة وشاملة، يضعها خبراء مستقلون، تقارن بين مختلف الخيارات المطروحة لإدارة النفايات، بما فيها إنشاء أو تطوير معامل المعالجة، وخيارات الطمر، وإمكان ترحيل النفايات إلى دول أخرى إذا توافرت الشروط القانونية والبيئية والمالية لذلك، على أن تُقيَّم جميع البدائل وفق معايير الكلفة، والأثر البيئي، وانعكاسها على حركة المرور، ومدى ملاءمتها للمجتمعات المحيطة، قبل اعتماد أي خطة نهائية. ويعكس هذا التوجه قناعة متزايدة بأن القرارات الكبرى في هذا الملف لا يجوز أن تُتخذ بصورة مجتزأة أو تحت ضغط عامل الوقت، بل ضمن رؤية وطنية متكاملة.

عقود لا يعرف تفاصيلها إلا أصحابها

ومن المعروف أن عقود جمع ومعالجة وطمر النفايات في بيروت تقع ضمن صلاحيات مجلس الإنماء والإعمار، الذي يتولى تاريخياً تلزيم وإدارة هذا القطاع. وتشير مصادر مطلعة على الملف إلى أن المجلس البلدي الحالي لم يُطلع بصورة كاملة على تفاصيل هذه العقود، رغم أنها ترتبط مباشرة بإدارة النفايات في العاصمة وتمويلها.

لذلك، يبدو مستغرباً أن يتركز النقاش اليوم حول تشغيل معمل الفرز في الكرنتينا، فيما تبقى بقية عناصر منظومة إدارة النفايات، من التسبيخ والمعالجة والطمر، خارج النقاش العام، رغم أنها تشكل الحلقة الأساسية في أي خطة متكاملة.

معمل أُعيد تأهيله… لكن ماذا بعد؟

لا خلاف على أهمية إعادة تأهيل معمل الفرز في الكرنتينا، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020. وقد تولى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، بتمويل من «صندوق لبنان للتمويل» الذي يديره البنك الدولي، إعادة تأهيل المعمل بالتنسيق مع وزارة البيئة ومحافظة بيروت، قبل أن ينهي مهمته ويسلم المشروع إلى الجهات اللبنانية المختصة.

غير أن إعادة تأهيل المعمل لا تعني أن منظومة إدارة النفايات أصبحت مكتملة.

فبحسب مصادر مطلعة، فإن قدرة المعمل على الفرز تبقى محدودة، ولا تشكل سوى جزء بسيط من كامل سلسلة المعالجة، فيما تبقى المراحل الأكثر أهمية، وهي التسبيخ والمعالجة والتحضير للطمر أو أي خيار نهائي آخر، غير متوافرة حالياً في موقع الكرنتينا.

لماذا تريث المجلس البلدي؟

قبل انتخاب المجلس البلدي الحالي، كان محافظ بيروت قد وافق على هبة إعادة تأهيل المعمل، واستكمل برنامج الأمم المتحدة المشروع وأنهى التزاماته.

لكن عند طرح استلام المعمل، فضّل المجلس البلدي التريث، ليس اعتراضاً على إعادة التأهيل، بل انطلاقاً من اعتبارات موضوعية، أبرزها أن تشغيل معمل الفرز وحده لن يحقق أثراً فعلياً في إدارة النفايات، في ظل غياب بقية حلقات المعالجة، وعدم استكمال بعض الشروط الفنية والإدارية اللازمة، وعدم وضوح كيفية تمويل واستكمال بقية عناصر الخطة الوطنية.

وبذلك، استلم محافظ بيروت المشروع بعد انتهاء مهمة الجهة المانحة، فيما بقي السؤال الأساسي مطروحاً: ماذا بعد تشغيل المعمل؟

إذا تم الفرز… فأين ستذهب النفايات؟

هذا هو السؤال الذي لا يزال بلا جواب واضح.

فالفرز ليس سوى الخطوة الأولى في إدارة النفايات. وبعدها يفترض أن تنتقل النفايات العضوية إلى معامل التسبيخ لإنتاج السماد، فيما تُعالج بقية المكونات أو تُرسل إلى الطمر وفق خطة متكاملة.

إلا أن الكرنتينا لا تضم حالياً منشأة للتسبيخ، ما يعني أن معظم النفايات، حتى بعد مرورها بعملية الفرز، ستبقى متجهة نحو المطامر.

فما الجدوى إذاً من تشغيل معمل فرز بكلفة ملايين الدولارات، إذا كانت الحلقة التالية من سلسلة المعالجة غير موجودة أو غير ممولة؟

توسعة المرفأ تزيد التعقيدات

وخلال اجتماع الاثنين، طُرح أيضاً احتمال توسعة مرفأ بيروت، وهو ما قد يتطلب استخدام الأراضي التي كان يُفترض إقامة منشآت التسبيخ عليها.

وإذا كانت هذه الأراضي لن تبقى متاحة لهذا الغرض، واضطرت الدولة إلى نقل منشآت المعالجة إلى منطقة أخرى، فإن ذلك يطرح تساؤلات إضافية حول الجدوى التشغيلية والاقتصادية لمعمل الفرز في الكرنتينا، ما لم تكن هناك رؤية واضحة لكامل المنظومة.

المجلس البلدي يختار التريث حتى اكتمال المعطيات

انطلاقاً من هذه المعطيات، دعا رئيس مجلس بلدية بيروت إلى جلسة للمجلس يوم الخميس لمناقشة ملف معمل الفرز في الكرنتينا.

وبحسب مصادر مطلعة على مداولات الجلسة، خلص المجلس إلى اعتماد مبدأ التريث في البت بموضوع تشغيل معمل الفرز في الكرنتينا، إلى حين اكتمال المعطيات الأساسية التي تتيح اتخاذ قرار مستند إلى رؤية متكاملة، وليس إلى معالجة جزئية. وأوضحت المصادر أن أعضاء المجلس رأوا ضرورة توضيح المسار الكامل لإدارة النفايات ضمن الخطة الوطنية، بما يشمل خيارات الطمر أو ترحيل النفايات، والمواقع الجغرافية لمنشآت المعالجة، ومصادر تمويلها، والجهات التي ستتولى تنفيذ مختلف مراحلها والإشراف عليها، إضافة إلى الاطلاع على الدراسات العلمية التي تقارن بين البدائل المطروحة وتحدد جدواها البيئية والاقتصادية.

وبذلك، لم يكن قرار المجلس رفض تشغيل معمل الفرز، بل التريث في البت به إلى حين اكتمال الصورة، انطلاقاً من قناعة بأن المعمل يشكل حلقة واحدة ضمن سلسلة متكاملة، وأن اتخاذ قرار بشأنه بمعزل عن بقية عناصر المنظومة قد يعيد إنتاج النهج الذي كان يختزل ملف النفايات بقرارات متفرقة، بدلاً من معالجته ضمن خطة شاملة وواضحة المعالم.

لماذا يتركز الضغط على البلدية؟

في خضم هذه المداولات، يبرز سؤال مشروع: لماذا يتركز الضغط على مجلس بلدية بيروت للموافقة على تشغيل معمل الفرز، فيما لا تزال بقية عناصر الخطة غير مكتملة أو غير ممولة؟

إذا وافق مجلس بلدية بيروت اليوم على تشغيل المعمل، فيما تبقى بقية عناصر المنظومة بيد جهات أخرى، فإنه سيكون قد منح غطاءً لقرارات لا يملك التحكم بها، لكنه سيتحمل مسؤوليتها السياسية أمام المواطنين.

إن مسؤولية إدارة النفايات في العاصمة لا تقع على البلدية وحدها، بل تتطلب تدخلاً مباشراً من الحكومة، سواء على مستوى التخطيط أو التمويل أو الإدارة، وتنسيقاً كاملاً بين مجلس الإنماء والإعمار، والهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة، ووزارات الوصاية.

وفي ملف بحجم إدارة نفايات العاصمة، قد يكون التريث المبني على الشفافية والمعرفة الكاملة أكثر مسؤولية من الاستعجال في تشغيل معمل لا يشكل سوى حلقة صغيرة في منظومة لم تكتمل بعد. فالكرنتينا ليست كل الخطة، والشفافية ليست ترفاً، بل شرطاً أساسياً لأي سياسة عامة قابلة للمحاسبة والاستدامة.


المصدر : Transparency News