كتبت داني كرشي


منذ أكثر من عقدين، يتكرر في لبنان المشهد نفسه: حديث عن اقتراب حرب، وقلق من مواجهة جديدة، وأسئلة لا تجد جواباً سوى عند المواطن الذي يدفع الثمن مرة بعد أخرى. ومع كل تصعيد بين إيران وإسرائيل، يعود اسم لبنان إلى الواجهة، ليس لأنه قرر الحرب، بل لأن حزب الله يضعه مجدداً في قلبها.

إذا كانت إسرائيل ترى في حزب الله تهديداً وجودياً بالمعنى الذي يُروَّج له، يطرح كثيرون سؤالاً مشروعاً: لماذا تركته منذ عام 2000 وحتى عام 2023 يراكم ترسانته العسكرية ويعزز حضوره؟ خلال تلك السنوات، كانت إسرائيل تراقب تحركاته عن كثب، وتعلن مراراً امتلاكها معلومات استخبارية دقيقة عن مواقعه وقدراته، قبل أن تظهر الحرب الأخيرة حجم الاختراق الأمني والاستخباري الذي مكّنها من استهداف معظم قياداته العسكرية والسياسية، وتوجيه ضربات قاسية إلى بنيته القيادية والاستراتيجية خلال فترة قصيرة نسبياً.

واليوم، ومع تصاعد الحديث مجدداً عن احتمال اندلاع مواجهة جديدة، لا يعود السؤال: هل ستقع الحرب؟ بل: من سيدفع ثمنها؟ والجواب، كما في كل مرة، هو لبنان واللبنانيون.

فكلما قرر حزب الله الانخراط في معركة مرتبطة بحسابات إيران الإقليمية، وجد اللبناني نفسه أمام فاتورة باهظة: اقتصاد ينهار أكثر، بنية تحتية تُدمَّر، استثمارات تهرب، مؤسسات تتعطل، ومواطن يخسر منزله ورزقه ومستقبل أولاده. أما من يتخذ قرار الحرب والسلم، فلا يتحمل وحده نتائج هذا القرار.

المعضلة الأساسية، ليست فقط في امتلاك حزب الله للسلاح خارج إطار الدولة، بل في طبيعة مرجعيته السياسية والعقائدية. فحزب الله لا يقدم نفسه كحزب لبناني تقليدي يخضع لأولويات الدولة اللبنانية أو لقرارات مؤسساتها الدستورية، بل يؤكد في فرصة وكل مناسبة، التزامه بمبدأ "ولاية الفقيه"، وهو ما يعني أن قراراته الاستراتيجية الكبرى ترتبط بقيادة دينية وسياسية خارج الحدود اللبنانية. فالحزب دائما ما كان يتعامل مع لبنان كساحة ضمن مشروع إقليمي أوسع، لا كوطن يجب أن تكون مصلحته فوق أي اعتبار.

وهنا يكمن جوهر الأزمة. فالدول تُبنى على احتكارها قرار الحرب والسلم، وعلى جيش واحد وسلطة واحدة ودستور واحد. أما عندما يصبح هذا القرار مرتبطاً بحسابات إقليمية، فإن الدولة تتحول إلى متفرج على مصيرها، فيما يدفع شعبها الثمن.

اللافت أن البعض لا يزال يتعامل مع أي تحذير من نتائج هذا الواقع وكأنه مبالغة أو دعاية سياسية، بينما الوقائع التي عاشها اللبنانيون خلال السنوات الماضية تقول العكس. فما تبقى من الاقتصاد اللبناني لا يحتمل حرباً جديدة، وما تبقى من البنية التحتية لا يحتمل جولة تدمير إضافية، وما تبقى من ثقة المستثمرين والعالم بلبنان يكاد يكون معدوماً.

وليس السؤال اليوم إن كان حزب الله قادراً على إطلاق الصواريخ، أو إن كانت إسرائيل قادرة على الرد، بل إن كان لبنان قادراً على البقاء بعد حرب جديدة. فالدول لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بقدرتها على حماية شعبها، وتأمين الاستقرار، وبناء اقتصادها، والحفاظ على مؤسساتها.

لبنان لم يعد يحتمل أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وإذا استمرت معادلة ربط مصيره بصراعات لا يملك قرارها، فإن الخاسر لن يكون حزباً أو فريقاً سياسياً، بل الوطن بأكمله. فالحقائق لا تتغير بالشعارات، ولا تُخفى بتخوين المعترضين، ولا يمكن تغليفها بالكلمات المنمقة. والحقيقة الأكثر قسوة أن أي حرب جديدة لن تعيد للبنان كرامته أو سيادته، بل قد تقضي على ما تبقى من دولته واقتصاده ومستقبل أجياله.


المصدر : Transparency News