أين تقف الجامعة اللبنانية فعليًا؟
24-07-2026 02:56 PM GMT+03:00
غير أن الحرص على مستقبل الجامعة اللبنانية، لا التقليل من شأنها، هو ما يدفع إلى قراءة أكاديمية أدق تميّز بين التصنيف العام (World University Rankings) وتصنيف تأثير الاستدامة، ذلك أن لكل منهما أهدافًا ومعايير مختلفة تمامًا. فالتصنيف العام يبقى المرجع الأساسي لقياس المكانة الأكاديمية والبحثية والتنافسية الدولية للجامعات، إذ يرتكز على مؤشرات جودة التعليم وبيئة البحث العلمي وتأثير الأبحاث عبر الاستشهادات العلمية، إضافة إلى الانفتاح الدولي ونقل المعرفة والتعاون مع القطاعات المختلفة. أما تصنيف تأثير الاستدامة فيقيس مساهمة الجامعة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي حددتها الأمم المتحدة، من القضاء على الفقر إلى الصحة والرفاهية والمياه النظيفة والعمل المناخي والشراكات، وهو يعكس الأثر الاجتماعي أكثر مما يعكس القوة البحثية أو المكانة الأكاديمية العالمية.
ولأننا نثق بقدرة الجامعة اللبنانية على تجاوز محنتها، تصبح مواجهة الأرقام واجبًا لا مجاملة. ففي التصنيف العام العالمي لـTimes Higher Education، كانت الجامعة في العام 2024 ضمن الفئة 1000-801 عالميًا، قبل أن يتراجع تصنيفها إلى الفئة 1500-1201 في العامين 2025 و2026. وتفصيليًا، انخفض مؤشر التدريس (بيئة التعلم) من 42.8 في 2024 إلى 34.8 في 2026، ومؤشر بيئة البحث العلمي من 22.3 إلى 14، ومؤشر جودة البحث من 23.6 إلى 21.5. كذلك تراجع ترتيب الجامعة في تصنيف QS العالمي من المرتبة 515 في 2025 إلى المرتبة 626 في 2026. هذه المؤشرات لا تُقرأ بوصفها إدانة، بل بوصفها جرس إنذار يستحق نقاشًا هادئًا وبعيدًا عن أي مقاربة سياسية أو شخصية، لأن الهدف الأوحد ينبغي أن يكون تحسين أداء الجامعة وصون مكانتها.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن تقدم الجامعة في تصنيف تأثير الاستدامة إنجاز حقيقي يعكس حيوية دورها الوطني والمجتمعي، ويستحق أن يُبنى عليه. لكن هذا الإنجاز، على أهميته، لا ينبغي أن يُستخدم بديلاً عن تقييم الأداء الأكاديمي الشامل، بل جزءًا من صورة أوسع لا تكتمل من دونه ولا تُختزل فيه.
إن التعامل المسؤول، بل المحب، مع التصنيفات الجامعية لا يكون بانتقاء المؤشرات التي ترسم صورة مطمئنة فحسب، ولا بإغفال ما يستدعي منا وقفة جادة. فالجامعات الكبرى في العالم تتقدم لأنها تبدأ من قراءة نقاط ضعفها قبل الاحتفاء بنقاط قوتها، وتحوّل نتائج التصنيفات إلى أدوات للتخطيط والتطوير.
لذلك، فإن المطلوب من كل المعنيين بالشأن الجامعي هو خطاب يقوم على الدقة والشفافية معًا: الاعتراف بالإنجازات حين تتحقق، ومواجهة المؤشرات التي تحتاج إلى معالجة في آنٍ واحد، خصوصًا في مجالات التعليم والبحث العلمي وجودة الأبحاث والتمويل البحثي والتعاون الدولي. فالجامعة اللبنانية تملك رصيدًا بشريًا وأكاديميًا استثنائيًا يخوّلها استعادة موقعها، لكن الحفاظ على دورها الوطني وتعزيز حضورها العالمي يبدآن من قراءة واقعية وصادقة للنتائج، لأن الإصلاح الحقيقي ينطلق من تشخيص دقيق، لا من عرض صورة مكتملة عن النجاح قبل استكمال مسار التطوير.
المصدر : Transparency News








