كتبت داني كرشي


ليس كل رجال الدين يكتفون بإدارة شؤون الكنيسة، وليس كل القادة يُكتب لهم أن يصبحوا جزءًا من هوية وطن. أما البطريرك الطوباوي إلياس الحويّك، فقد جمع بين الرسالة الروحية والدور الوطني، فكان راعيًا أمينًا، وقائدًا استثنائيًا، وأحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في ولادة لبنان الكبير.

وُلد الحويّك عام 1843 في حلتا، ونشأ على محبة الإيمان والإنسان، قبل أن يُنتخب بطريركًا للموارنة عام 1898. ومنذ اللحظة الأولى لتسلّمه السدة البطريركية، أدرك أن الكنيسة لا تنفصل عن هموم شعبها، وأن الدفاع عن الإنسان هو جزء من رسالتها.
خلال سنوات المجاعة الكبرى والحرب العالمية الأولى، وقف إلى جانب اللبنانيين من مختلف الطوائف والانتماءات، ففتح الأديرة والكنائس لإيواء الجائعين، وسخّر إمكانات الكنيسة لإطعام المحتاجين، ولم يميّز يومًا بين مسيحي ومسلم أو بين منطقة وأخرى، لأن الإنسان بالنسبة إليه كان القيمة الأولى.

لكن الإنجاز الذي خلد اسمه في التاريخ كان دفاعه عن قيام دولة لبنان الكبير. ففي عام 1919، حمل قضية لبنان إلى مؤتمر الصلح في باريس، مطالبًا بقيام وطن يتمتع بحدوده الطبيعية ويؤمّن الحياة الكريمة لجميع أبنائه. لم يكن يطالب بامتياز لفئة أو طائفة، بل كان يؤمن بلبنان الرسالة، الوطن الذي يجمع أبناءه في دولة واحدة، تقوم على الحرية والتعددية والشراكة.

وجاء إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول عام 1920 تتويجًا لنضال طويل قاده البطريرك الحويّك، ليصبح اسمه مرتبطًا إلى الأبد بولادة الكيان اللبناني الحديث، حتى لُقّب بـ"بطريرك لبنان الكبير".

ولم يقتصر إرثه على السياسة والوطنية، بل ترك بصمة إنسانية واجتماعية عميقة، فأسس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، وشجّع التربية والتعليم، وعمل على نشر قيم المحبة والخدمة والتضامن، مؤمنًا بأن بناء الإنسان هو أساس بناء الأوطان.

واليوم، مع إعلان تطويبه، لا يُكرَّم رجل من الماضي فحسب، بل تُستعاد سيرة قائد آمن بلبنان عندما كان مجرد حلم، ودافع عن كرامة شعبه في أحلك الظروف، وترك إرثًا من الإيمان والوطنية لا يزال حيًا بعد أكثر من قرن.

إن تطويب البطريرك إلياس الحويّك هو رسالة رجاء إلى اللبنانيين، بأن الأوطان تُبنى بالإيمان، وبالتضحية، وبالتمسك بالعيش المشترك، وأن لبنان الذي ناضل من أجله هذا البطريرك الكبير يبقى وطنًا لجميع أبنائه، قائمًا على الحرية والكرامة والعدالة، وهي المبادئ التي عاش من أجلها واستحق أن يُكرَّم بها طوباويًا في ذاكرة الكنيسة والتاريخ.


المصدر : Transparency News