د. قاسم السعد


لأكثر من ثلاثة عقود، انشغل العاملون في التنمية والعمل الإنساني بسؤال واحد: كيف نحقق الاستدامة المالية؟ وتحوّل هذا السؤال إلى نقطة الانطلاق في معظم النقاشات، وكأن استدامة المؤسسات تُختزل في قدرتها على تأمين المنحة التالية أو تنويع مصادر التمويل.

لكن ماذا لو كان السؤال نفسه خاطئًا؟

ماذا لو كانت الاستدامة لا تبدأ من المال، بل من المعرفة؟ وماذا لو كان التمويل، على أهميته، مجرد حلقة في منظومة أكبر، وليس نقطة البداية ولا الغاية؟

إن اختزال الاستدامة في بعدها المالي يشبه اختزال الزراعة في الماء. فالماء ضروري للحياة، لكنه وحده لا ينبت شجرة. يحتاج إلى تربة، وبذرة، وضوء، وعناية، وزمن. وكذلك المؤسسات؛ فالتمويل ضروري، لكنه لا يصنع مؤسسة قادرة على البقاء إذا لم يكن جزءًا من دورة مستمرة لإنتاج المعرفة.

وهنا، ربما نحتاج إلى إعادة تعريف الاستدامة نفسها.

فالاستدامة ليست قدرة المؤسسة على جمع الأموال، بل قدرتها على إبقاء دورة إنتاج المعرفة حيّة.

لكن هذه الدورة لا تبدأ داخل المؤسسة.

إنها تبدأ من المجتمع.

لقد اعتادت أدبيات التنمية أن تتحدث عن المجتمع المحلي بوصفه “المستفيد”، ثم تطورت اللغة ليصبح “شريكًا”. غير أن هذين الوصفين، على أهميتهما، لا يعكسان دوره الحقيقي. فالمجتمع ليس مجرد متلقٍ للخدمات، ولا مجرد شريك في التنفيذ؛ إنه المنتج الأول للمعرفة.

في حياة الناس اليومية، وفي طرق تكيفهم مع الأزمات، وفي حلولهم البسيطة، وفي فهمهم لثقافتهم وبيئتهم، توجد معرفة لا تستطيع أي مؤسسة إنتاجها من خلف المكاتب. وكل مؤسسة تتجاهل هذه الحقيقة، تبدأ عملها وهي فاقدة لأهم مصادر المعرفة.

وهنا يأتي دور المؤسسة.

وظيفتها ليست أن تستورد الحلول، ولا أن تفرض النماذج الجاهزة، بل أن تُنظّم المعرفة التي ينتجها المجتمع، وأن تختبرها، وتطوّرها، وتحولها إلى منهجيات وبرامج قابلة للتطبيق والتعلم.

ثم يأتي التمويل.

لكن التمويل هنا لا يُنظر إليه بوصفه غاية، بل بوصفه وسيلة. إنه المورد الذي يسمح بتحويل المعرفة إلى ممارسة، واختبار الفرضيات، وتوسيع نطاق الأثر.
غير أن القيمة الحقيقية للتمويل لا تُقاس بحجم ما أُنفق، بل بما أضافه من معرفة جديدة.

فإذا انتهى المشروع، وانتهت معه الخبرة، وغادر الموظفون ومعهم كل ما تعلموه، فإن المؤسسة لم تستثمر التمويل، بل استهلكته.
أما إذا تحولت التجربة إلى معرفة مؤسسية، وأصبحت الأخطاء دروسًا، والنجاحات منهجيات، والممارسات خبرة متراكمة، فإن التمويل يكون قد أدى وظيفته الحقيقية.
وهنا تكتمل الدورة.

المجتمع ينتج معرفة.

والمؤسسة تطورها.

والتمويل يختبرها.

والتطبيق يولّد خبرة جديدة.

والخبرة تعود إلى المجتمع، لا باعتبارها وصفة جاهزة، بل معرفة أكثر نضجًا، فتبدأ دورة جديدة.

هذه هي، في تقديري، الدورة التي تصنع الاستدامة.


ولذلك، فإن المؤسسات لا تنهار عندما ينخفض التمويل، بل عندما تتوقف هذه الدورة عن العمل. فعندما ينفصل التمويل عن المعرفة، يتحول المشروع إلى نشاط مؤقت. وعندما تنفصل المعرفة عن المجتمع، تتحول إلى تنظير لا يغيّر الواقع. وعندما يغيب التعلم، تصبح المؤسسة أسيرة تكرار ما فعلته بالأمس، حتى لو تغيّر العالم من حولها.

إن المؤسسة المستدامة ليست هي التي تمتلك أكبر ميزانية، بل هي التي تمتلك القدرة على تحويل كل مشروع إلى معرفة، وكل معرفة إلى أثر، وكل أثر إلى ثقة، وكل ثقة إلى فرصة جديدة للتعلم والعمل.

ولعل هذا يدعونا إلى تغيير السؤال الذي ظل يرافق مؤسساتنا لسنوات.

فبدلاً من أن نسأل:

كيف نضمن التمويل؟

ربما علينا أن نسأل:

كيف نبقي دورة إنتاج المعرفة حيّة؟

فإذا نجحنا في ذلك، لن يكون التمويل سوى نتيجة طبيعية لمؤسسة تعرف كيف تتعلم، وكيف تُشرك مجتمعها، وكيف تحول الموارد إلى قيمة عامة تتجدد باستمرار.


المصدر : Transparency News