ازدواجية السلاح بين الدولة والميليشيات: قراءة قانونية سياسية انطلاقاً من لبنان
30-07-2026 08:25 AM GMT+03:00
يقوم مفهوم الدولة الحديثة، كما صاغه عالم الاجتماع ماكس فيبر، على احتكار الدولة «الاستخدام المشروع للقوة» داخل حدودها الجغرافية. فلا تكتمل السيادة إلا عندما تكون الدولة، عبر مؤسساتها النظامية الخاضعة للقانون والمساءلة، الجهة الوحيدة التي تملك قرار الحرب والسلم واستخدام القوة المسلحة. وعندما تنشأ إلى جانب الجيش النظامي قوة مسلحة موازية تملك قرارها الخاص، تدخل الدولة في حالة يمكن وصفها بـ«ازدواجية السلطة» أو «ازدواجية السلاح»، بما يفرغ السيادة من مضمونها ويجعل القرار الأمني والعسكري خاضعاً لتوازنات داخلية أو خارجية لا تعبّر بالضرورة عن الإرادة الوطنية الجامعة.
وقد عرفت دول عديدة هذه الظاهرة نتيجة حروب أهلية أو احتلالات أو صراعات أيديولوجية، واعتمدت مسارات مختلفة لمعالجتها. وتكتسب التجربة اللبنانية أهمية خاصة، نظراً إلى تشابك البعدين الداخلي والإقليمي فيها.
كيف عالجت دول أخرى ازدواجية السلاح؟
في أيرلندا الشمالية، شكّل اتفاق الجمعة العظيمة لعام 1998 نموذجاً ناجحاً لمعالجة ظاهرة السلاح الموازي. فقد أُنشئ مسار تدريجي لتسليم سلاح الجيش الجمهوري الإيرلندي بإشراف دولي، مقابل اندماج الحركة الجمهورية في الحياة السياسية عبر حزب «شين فين». وبعد سنوات من بناء الثقة والضمانات السياسية، اكتمل نزع السلاح فعلياً عام 2005، فتحولت الحركة المسلحة إلى فاعل سياسي مدني.
وفي كولومبيا، تضمّن اتفاق السلام لعام 2016 بين الحكومة وحركة «فارك» تسليم السلاح إلى بعثة الأمم المتحدة، ودمج المقاتلين في الحياة المدنية والسياسية، إلى جانب آليات للعدالة الانتقالية. ورغم ظهور انشقاقات لاحقة، بقي الاتفاق من أبرز النماذج التي جمعت بين الضغط العسكري، والحوافز السياسية، والضمانة الدولية.
أما العراق، فقد اتخذ مساراً مختلفاً من خلال قانون الحشد الشعبي لعام 2016، الذي أضفى إطاراً قانونياً على فصائل مسلحة وأدخلها رسمياً ضمن منظومة القوات المسلحة. إلا أن استمرار بنيتها التنظيمية وولاءاتها السياسية وتمويلها المستقل أبقى، عملياً، على إشكالية ازدواجية السلاح، وإن تغير غطاؤها القانوني.
وتقدم ليبيا واليمن نموذجاً مغايراً، إذ أدت هشاشة مؤسسات الدولة والانقسامات السياسية والولاءات القبلية أو الأيديولوجية والخارجية إلى استمرار الميليشيات في تقاسم السلطة والثروة مع مؤسسات رسمية ضعيفة أو منقسمة، بما جعل معالجة ظاهرة السلاح الموازي متعذرة.
لبنان وحزب الله: الإزدواجية
شكّل اتفاق الطائف لعام 1989 الإطار الدستوري والسياسي لإنهاء الحرب الأهلية، ونص صراحة على حل جميع الميليشيات اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة. وقد نُفذ هذا المبدأ في مطلع التسعينيات بالنسبة إلى معظم الفصائل المسيحية والإسلامية والقومية واليسارية، باستثناء سلاح «حزب الله»، الذي استمر تحت عنوان «المقاومة» في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان.
وقد تأسس حزب الله عام 1982 في سياق الاجتياح الإسرائيلي للبنان، بدعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني الذي تولى تدريبه وتسليحه وتمويله. وقد جعلت عقيدة الحزب وارتباطه التنظيمي والسياسي بإيران منه حالة مختلفة عن معظم الميليشيات اللبنانية السابقة، إذ لم يعد مجرد قوة محلية، بل أصبح جزءاً من منظومة إقليمية أوسع مرتبطة بما يُعرف بـ«محور المقاومة».
وبعد الانسحاب الإسرائيلي من معظم الجنوب عام 2000، احتفظ الحزب بترسانته بحجة استكمال التحرير ثم الردع. وخاض عام 2006 حرباً واسعة مع إسرائيل بقرار لم تتخذه الدولة اللبنانية، قبل أن يستخدم سلاحه صراحة في الداخل في أيار 2008، إثر خلاف سياسي مع الحكومة، في تحول مهم من «سلاح مقاومة» إلى أداة نفوذ داخلي. ثم انخرط في الحرب السورية دعماً لنظام بشار الأسد، وفتح بعد عام 2023 جبهة إسناد لغزة، قبل أن ينزلق إلى مواجهة واسعة مع إسرائيل، أسفرت عن خسائر بشرية وعسكرية كبيرة وتدمير واسع في بنيته العسكرية.
ومنذ اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، دخل ملف سلاح الحزب مرحلة جديدة. فقد تبنت الحكومة اللبنانية لاحقاً مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وكُلف الجيش اللبناني وضع خطة تدريجية لتنفيذ ذلك، فيما طُرحت أفكار تتصل بإمكان دمج بعض العناصر في المؤسسات العسكرية النظامية بعد تسليم السلاح. ومع تصاعد الضغوط الدولية، أصبح الملف مرتبطاً بصورة متزايدة بمسألة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب وبالمفاوضات الإقليمية والدولية، في حين ظل الحزب متمسكاً بخطاب «المقاومة» ورافضاً التخلي الكامل عن ترسانته.
ما هي سيناريوهات إنهاء الازدواجية؟
تظهر من التجارب المقارنة عدة مسارات محتملة. أولها المسار التفاوضي التدريجي على غرار النموذج الإيرلندي، بحيث يرتبط تسليم السلاح بضمانات سياسية وأمنية فعلية، تشمل معالجة المخاوف الأمنية، والانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، وضمانات دولية، مقابل تحول الحزب إلى حزب سياسي مدني كامل.
وثانيها الحصر التدريجي للسلاح من خلال توسيع سلطة الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، ولا سيما في الجنوب، بدعم مالي ولوجستي دولي يجعله البديل الأمني الوحيد الموثوق.
أما المسار الثالث، فهو تكرار النموذج العراقي عبر دمج شكلي لا ينهي الازدواجية فعلياً، بل يعيد تغليفها قانونياً. ويبقى المسار الأخطر احتمال الانزلاق إلى مواجهة داخلية إذا جرى فرض نزع السلاح بالقوة ومن دون تسوية سياسية موازية، بما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نماذج الفشل في ليبيا واليمن.
ختاماً، تظهر التجارب المقارنة أن إنهاء ازدواجية السلاح ممكن، لكنه لا يتحقق بمجرد إصدار القوانين أو اتخاذ القرارات السياسية. فهو يحتاج إلى إرادة وطنية جامعة، وضمانات إقليمية ودولية، ومسار تدريجي يوازن بين استعادة الدولة لاحتكار القوة ومعالجة الأسباب الأمنية والسياسية التي أدت أصلاً إلى نشوء السلاح الموازي.
ويبقى المواطن اللبناني المتضرر الأكبر من استمرار هذه الازدواجية، بما أنتجته من حروب متكررة، وانهيار اقتصادي، وعزلة دولية، وشلل مؤسساتي. ويقف لبنان اليوم أمام اختبار تاريخي: فإما أن تنجح التسويات السياسية في إعادة القرار العسكري إلى الدولة، أو يستمر نموذج الدولة ذات السيادتين، بما يحمله ذلك من مخاطر دائمة على الاستقرار الداخلي ومستقبل الكيان اللبناني.
المصدر : Transparency News








