إليسار ندّاف تعيد تلفزيون لبنان إلى الواجهة: عام من الانتقال من الركود إلى النهوض
30-07-2026 08:26 PM GMT+03:00
وبعد مرور عام على تولّي رئيسة مجلس الإدارة المديرة العامة إليسار ندّاف مسؤولياتها، تبدو حصيلة العمل أبعد من مجموعة مشاريع متفرقة. فقد انطلقت ورشة متكاملة شملت البنية التحتية والتجهيزات التقنية والمحتوى البرامجي والحوكمة الإدارية وحقوق العاملين، إضافة إلى بناء شبكة من الشراكات المحلية والدولية القادرة على توفير الدعم والخبرات لهذه المؤسسة.
استعادة المباني والاستديوهات
كان إحياء البنية التحتية واحدًا من أبرز عناوين السنة الأولى. فقد أعيد تشغيل مبنى الحازمية وتجهيزه باستديوهات حديثة احتضنت برامج «مع وليد عبود» و«ألبوم الأصالة» و«رمضان بيروت»، بما أعاد الحياة إلى منشأة كانت قدراتها غير مستثمرة بالشكل المطلوب.
وفي مبنى تلة الخياط، جرى تحديث عدد من الاستديوهات، مع تأمين استديو جديد للأخبار بهبة من السفارة الصينية، إلى جانب هبة أخرى مخصصة لتحديث استديو برنامج «أحلى صباح». كما حصل التلفزيون على هبة عينية من «أرض المبدعين» لتأهيل المبنى، فيما أسهمت مؤسسة مخزومي في إعادة تأهيل الحدائق الخارجية وزراعتها.
هذه الخطوات لا تحمل بعدًا تجميليًا فقط، بل تعكس محاولة لإعادة بناء بيئة إنتاج حقيقية، تسمح للتلفزيون الرسمي باستعادة قدرته على تقديم محتوى ينافس في سوق إعلامية باتت تعتمد على التقنيات الحديثة والصورة عالية الجودة.
الانتقال إلى العصر الرقمي
من أبرز التحولات التقنية التعاون مع الشركة الوطنية لتطوير الإعلام من أجل تحديث المعدات والانتقال من نظام البث SD إلى نظام HD. ويشكّل هذا المشروع خطوة أساسية لإخراج تلفزيون لبنان من فجوة تقنية تراكمت على مدى سنوات، ووضعه على مسار يواكب المعايير الحديثة للبث والإنتاج التلفزيوني.
كما يجري العمل على إطلاق هوية بصرية جديدة للمؤسسة بالتعاون مع France Médias Monde، في مشروع أصبح في مراحله الأخيرة ومن المقرر إطلاقه في شهر أيلول. والهوية الجديدة ليست مجرد تغيير في الشعار أو الألوان، بل يفترض أن تعبّر عن صورة تلفزيون لبنان المتجددة وعن رغبته في مخاطبة جمهور أكثر تنوعًا، ولا سيما الشباب والمغتربين.
وفي موازاة ذلك، نُفذ مشروع للطاقة الشمسية في محطة الإرسال في النعص، بهدف تعزيز استمرارية البث وتقليل التأثر بأزمات الكهرباء والطاقة، واعتماد حلول أكثر كفاءة واستدامة في تشغيل البنية التقنية.
حماية ذاكرة لبنان
يبقى أرشيف تلفزيون لبنان واحدًا من أهم الأصول الثقافية والإعلامية التي تمتلكها الدولة اللبنانية. فهو لا يضم برامج ونشرات إخبارية فحسب، بل يوثق عقودًا من الحياة السياسية والاجتماعية والفنية والثقافية في لبنان والمنطقة.
ومن هنا، شكّلت رقمنة الأرشيف وحفظه وترميمه محورًا أساسيًا في خطة الإدارة الجديدة، بالتوازي مع العمل على ترشيحه لسجل «ذاكرة العالم» التابع لليونسكو. ويكتسب هذا المشروع أهمية وطنية استثنائية، لأنه يحمي مادة معرضة للتلف والضياع، ويحوّلها إلى محتوى قابل للحفظ والاستثمار والبحث وإعادة النشر.
إنقاذ الأرشيف ليس إنجازًا تقنيًا فقط، بل هو دفاع عن جزء من تاريخ لبنان وهويته وذاكرته الجماعية.
شراكات دولية وأكاديمية
أدركت الإدارة الجديدة أن النهوض بالمؤسسة لا يمكن أن يتحقق من خلال الإمكانات الداخلية المحدودة وحدها، لذلك عملت على بناء شبكة واسعة من الشراكات الإعلامية والأكاديمية والدولية.
وفي هذا السياق، وُقعت اتفاقية مع المنظمة الدولية للفرانكوفونية لتعزيز المحتوى الإخباري باللغة الفرنسية وتوسيع حضور تلفزيون لبنان داخل الفضاء الفرنكوفوني. كما وُقعت اتفاقيات تعاون مع جامعة الروح القدس – الكسليك وجامعة CNAM، بهدف تبادل الخبرات وفتح المجال أمام الطلاب والشباب للاستفادة من إمكانات المؤسسة وخبرات العاملين فيها.
ويجري كذلك التحضير لاتفاقية مع المعهد العالي للأعمال ESA لتطوير القدرات الإدارية وترسيخ مفاهيم الإدارة الحديثة والحوكمة الرشيدة، إلى جانب اتفاقيات وتعاون مع جمعية «مهارات»، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، والسفارة البريطانية، وجمعية Fifty Fifty، والتحضير لتعاون مع السفارة الأردنية.
هذه الشراكات تمنح المؤسسة موارد وخبرات جديدة، وتعيد ربطها بالجامعات والمنظمات الدولية والمؤسسات المتخصصة، بعدما بقيت لسنوات بعيدة عن كثير من مسارات التطوير والتدريب.
الإدارة وحقوق العاملين
لم يقتصر العمل على الصورة والاستديوهات والبرامج، بل امتد إلى الملفات الإدارية والاجتماعية التي تمس العاملين والمتقاعدين بصورة مباشرة.
فقد جرى إقرار استفادة العاملين من الحد الأدنى للأجور بعد حرمانهم من مفاعيله، ومعالجة ملف المتقاعدين، والتفاوض لتخفيض قيمة بعض الاشتراكات إلى النصف، إلى جانب الاهتمام بملفات النقل والحقوق الوظيفية.
كما أُطلقت ورش تدريب وتطوير للعنصر البشري، ونُظمت ورش لمجلس الإدارة حول الحوكمة الرشيدة بالتعاون مع نادي الحوكمة ووزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في مؤسسة عانت طويلًا من التهميش الإداري وتراجع الموارد وشعور الموظفين بعدم الاستقرار. فإعادة بناء التلفزيون تبدأ أيضًا بإعادة الثقة إلى العاملين فيه، وربط التطوير التقني بتحسين بيئة العمل ورفع الكفاءات.
محتوى جديد وحضور متجدد
على المستوى البرامجي، سعت الإدارة إلى كسر الجمود وإطلاق محتوى يعيد التلفزيون إلى المشهد العام. وبرز برنامج «حوارات السراي» من السراي الحكومي، إلى جانب «رمضان بيروت» الذي حقق نسبة مشاهدة مرتفعة، فيما يجري التحضير لمجموعة برامج جديدة تستهدف الشباب والمغتربين وتتناول الثقافة والفنون، من بينها «أنا لبنان» و«من هالأرض» و«هوا الشباب».
ولا تبدو هذه البرامج منفصلة عن رؤية أوسع تسعى إلى إعادة تعريف وظيفة التلفزيون الرسمي. فالمطلوب ليس تقليد المحطات التجارية، بل تقديم محتوى وطني متنوع يحفظ التوازن بين الأخبار والسياسة والثقافة والفنون والتراث، ويعكس مختلف مكونات المجتمع اللبناني.
منصة وطنية جامعة
استعاد تلفزيون لبنان خلال العام الماضي حضوره في عدد من الاستحقاقات الوطنية الكبرى، عبر تغطيات شاملة ومهنية للزيارات والأحداث الرسمية والاستثنائية.
وقد برز دوره خلال زيارة قداسة البابا إلى لبنان، عندما وضع إنتاجه وصورته بتصرف مختلف المحطات التلفزيونية، ما كرّس موقعه مصدرًا وطنيًا أساسيًا للصورة. كما أنتج حلقة خاصة مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بُثت عبر جميع المحطات اللبنانية.
تكمن أهمية هذا الدور في أن تلفزيون لبنان ليس مجرد محطة إضافية، بل مؤسسة عامة يفترض أن تكون منصة مشتركة بين اللبنانيين، وأن تمتلك القدرة على توفير الصورة والمعلومة في الأحداث الكبرى بعيدًا عن الاستقطاب السياسي والتجاري.
سنة التنفيذ
تؤكد حصيلة العام الأول أن المؤسسة انتقلت تدريجيًا من مرحلة إعداد الخطط إلى مرحلة التنفيذ. وقد تمكنت الإدارة، رغم محدودية الإمكانات والأوضاع المالية الصعبة، من إطلاق مشاريع متوازية في البنية التقنية والمحتوى والأرشيف والإدارة والشراكات.
وبطبيعة الحال، لا تزال أمام تلفزيون لبنان تحديات كبيرة، من بينها استكمال التحديث التقني، وتوفير تمويل مستدام، وتطوير شبكة البرامج، وتعزيز الاستقلالية المهنية، وتوسيع الانتشار الرقمي، وجذب الأجيال الجديدة التي باتت تستهلك المحتوى عبر المنصات أكثر من الشاشة التقليدية.
لكن الفارق الأساسي أن المؤسسة لم تعد واقفة في مكانها. فقد بدأت تستعيد المبادرة، وتعيد تشغيل مرافقها، وتطور استديوهاتها، وتحمي أرشيفها، وتبني شراكات جديدة، وتلتفت إلى حقوق العاملين فيها.
وبعد سنوات كان اسم تلفزيون لبنان يقترن فيها بالتراجع والإهمال والفرص الضائعة، نجحت إليسار ندّاف ومجلس الإدارة خلال عام واحد في وضع المؤسسة على مسار مختلف، يقوم على التحديث التدريجي والحوكمة والانفتاح والشراكة والاستثمار في الإنسان.
إن النهوض بتلفزيون لبنان لا يتعلق بمؤسسة إعلامية فقط، بل بمفهوم الدولة نفسها. فالدولة التي تحافظ على شاشتها الوطنية تحافظ على ذاكرتها وصورتها وصوتها، وتؤكد قدرتها على إنتاج إعلام عام مهني يجمع اللبنانيين بدل أن يزيد انقساماتهم.
لقد بدأت ورشة استعادة تلفزيون لبنان، وما تحقق حتى الآن يثبت أن تغيير الواقع الركودي ممكن متى توفرت الإدارة والإرادة والرؤية. أما التحدي المقبل، فهو تحويل هذه الانطلاقة إلى مسار مستدام يعيد لهذه الشاشة الرائدة مكانتها التاريخية، ويجعلها مجددًا شاشة كل اللبنانيين.
المصدر : Transparency News








