البطريرك الياس الحويك: رجل الوطن والإنسان في زمن المِحن
31-07-2026 04:56 PM GMT+03:00
عاش البطريرك الياس الحويك زمن المتصرفية، وهي مرحلة دقيقة من تاريخ جبل لبنان، أدرك خلالها أن حماية الجماعة لا تكون بالشعارات المرتفعة، بل ببناء العلاقات، وقراءة التحولات، والبحث عن مساحات ممكنة للعمل في زمن كانت فيه الهوامش تضيق والخيارات تتقلص. فقد كان رجلَ واقعيةٍ وحكمة، يؤمن بأن الحفاظ على الوجود لا يتحقق بالانغلاق، بل بالانفتاح والحوار وحسن إدارة الظروف الصعبة.
بدأ مسيرته في خدمة الكنيسة، فدخل المدرسة الكنسية، ثم عمل كاتبًا للسر لدى البطريرك بولس مسعد، حيث تدرّب على شؤون الإدارة والعلاقات العامة، وتكوّنت لديه رؤية واسعة جعلته قادرًا على الانتقال من المجال الكنسي إلى رحاب الشأن العام، من دون أن يفقد جذوره الروحية أو رسالته الدينية. فقد أثبت أن الانخراط في قضايا الناس لا يتناقض مع الالتزام الكنسي، بل هو امتداد طبيعي له.
وعندما حلّت المجاعة الكبرى بلبنان خلال الحرب العالمية الأولى بين عامي 1915 و1918، وتحولت أرض جبل لبنان إلى مسرح للموت والجوع، لم يكتفِ البطريرك الحويك بالصلاة من أجل الضحايا أو بتقديم التعازي لأهاليهم، بل رأى أن الإيمان الحقيقي يفرض عليه العمل لرفع المعاناة عن شعبه. فتحرك عبر المراسلات والاتصالات لنقل مأساة اللبنانيين إلى الخارج، واستنهاض الهمم لمساعدة المنكوبين، مؤكدًا أن دور رجل الدين لا يقتصر على الوعظ، بل يشمل الدفاع عن الإنسان عندما تهدده الكوارث.
ولم يكن تحركه آنذاك تحركًا طائفيًا ضيقًا، بل كان نابعًا من نظرة وطنية وإنسانية أوسع؛ فقد كان يؤمن بأن القداسة لا تعني الابتعاد عن قضايا المجتمع، وأن الإيمان الذي لا يتحول إلى رحمة وعمل ومسؤولية يفقد جوهره. لذلك تابع بعد انتهاء الحرب جهوده في إغاثة المنكوبين، والعمل على تأمين مقومات الحياة لشعب أنهكته سنوات الجوع والحرمان.
ثم جاءت المرحلة السياسية الكبرى التي حملته إلى مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919 على رأس الوفد اللبناني، حيث طالب بقيام دولة لبنان الكبير. لكنه لم يحمل مشروعًا فئويًا أو طائفيًا، بل حمل رؤية لوطن تعددي يحفظ الحريات، ويصون تنوع مكوّناته، ويؤمن بأن قوة لبنان تكمن في تلاقي أبنائه لا في صراعهم.
إن عظمة البطريرك الياس الحويك لا تختصر في كونه أحد أبرز صانعي قيام لبنان الكبير، بل تتجلى قبل ذلك في إنسانيته الواسعة، وفي ثباته على خدمة الإنسان في زمن الانهيار، وفي وقوفه إلى جانب الجائع والمحروم والمنكوب. فقد كان رجلًا أدرك أن الوطن ليس حدودًا ترسمها الخرائط فقط، بل كرامة تُصان، وشعبًا يُحمى، وإنسانًا يستحق أن يعيش بحرية وأمان.
وهكذا بقي الياس الحويك في الذاكرة اللبنانية لا باعتباره رجل دولة فحسب، بل باعتباره راعيًا حمل همّ وطنه في السياسة، وهمّ شعبه في الإنسانية؛ فصنع كيانًا، لكنه قبل ذلك خدم إنسانًا.
المصدر : Transparency News








