جورج بولس


ستُّ سنواتٍ مرَّت، ولكن الزمن لم يكن كريماً بما يكفي ليخفف وجعاً، أو ليجفف دمعةً، أو ليعيد نبضاً إلى قلبٍ توقّف في مساء الرابع من آب. لم تكن ستَّ سنوات، بل ستةَ دهورٍ من الألم، لأن المآسي الكبرى لا تُقاس بالتقويم، بل بما تتركه في الأرواح من ندوبٍ لا تندمل.

هناك، على شاطئ بيروت، ما زال البحر شاهداً صامتاً على الحكاية. تقف أراملُ بثياب الحداد، وأمهاتٌ أثقل الشيبُ رؤوسهن قبل أوانه، وأطفالٌ كبروا يتامى قبل أن يتعلموا معنى الطفولة. يحدقون في الأفق، كأنهم ينتظرون من البحر خبراً، أو موجةً تحمل إليهم أثراً لحبيبٍ خرج ذات صباح ولم يعد. يحدقون في الموج علّه يعيد كلمة الوداع التي سُرقت منهم، أو يهمس باسمٍ غاب قبل أن يُغلق باب البيت خلفه للمرة الأخيرة.

يمضي البحر في مدّه وجزره، وتمضي الأيام في صمتها الثقيل، لكن الانتظار لا ينتهي، والجرح لا يشيخ. فبعض الجراح لا يلتئم لأن العدالة لم تضعْ يدها عليه، ولأن الحقيقة ما زالت حبيسة الأدراج، فيما المُتهّمون يتوارون خلف الحصانات، ويتنقل الجُناة بين المكاتب والمواكب، كأنَّ الدَّم الذي غطّى شوارع بيروت لم يكن دمَ أبناء هذا الوطن.

أيُّ وطنٍ هذا الذي يطلب من أمٍّ أن تنسى، وهي لم تعرف أين انتهى ولدها؟ وكيف يُقنع يتيماً بأن الزمن يشفي، فيما صورة أبيه ما زالت معلقةً بين ركام البيت وصمت القضاء؟ إن النسيان ليس فضيلةً حين يكون ثمناً للإفلات من العقاب، والصَّمت ليس حكمةً حين يتحوَّل إلى شريكٍ في الجريمة.

لقد سرقت يدُ الشر من لبنان زنابقَ كانت تزيّن حدائقه، وشباباً كانوا يخططون لغدٍ أجمل، وأطفالاً لم يكتمل في دفاترهم أولُ الحلم، وآباءً وأمهاتٍ خرجوا إلى أعمالهم ولم يعودوا إلا أسماءً على شواهد الرخام. وما زالت بيروت، كلما أطلّ الرابع من آب، تفتح جرحَها من جديد، وتستعيد وجوهَ أحِبّتها، كأن الانفجار وقع بالأمس.

سلامٌ على أرواح الضحايا الذين ارتقوا بلا ذنب، وسلامٌ على كلِّ قلبٍ ما زال ينتظر الحقيقة. فلعلَّ العدالة قد تتأخر، لكنها وحدها القادرة على أن تمنح هذا الوطن بعض السَّكينة، وأن تقول للأمهات اللواتي ينتظرن عند البحر منذ ستة أعوام: لم تذهب دموعُكن سُدى، ولم يضع دم أحبّتكن في بحر النسيان.
"قد يبتلع البحر الأجساد، لكنه لا يستطيع أن يبتلع الحقيقة، وقد يُرهق الزمن ذاكرة البشر، لكنه لن يُسقط حقَّ الضحايا في العدالة."


المصدر : Transparency News