الحروب تنتهي... أما آثارها فلا تنتهي بالضرورة

انتهت الحرب الأهلية اللبنانية، وسقطت المتاريس، وأزيلت خطوط التماس، وأُعلن أن لبنان عاد دولة واحدة تحت سقف اتفاق الطائف. لكن الحروب لا تنتهي دائمًا عندما يصمت السلاح، بل قد تستمر في الذاكرة، وفي الخوف، وفي طريقة نظر المجتمعات إلى بعضها البعض.

ما خلّفته الحرب لم يكن دمارًا عمرانيًا فقط، بل إرثًا ثقيلًا من الهواجس وانعدام الثقة. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس إن كانت الحرب انتهت، بل إن كان اللبنانيون عادوا فعلًا إلى ما قبلها.

الجواب، في نظر كثيرين، هو: لا.

فاللبناني الذي عاش الحروب المتلاحقة، وصولًا إلى السنوات الأخيرة بكل أزماتها الأمنية والاقتصادية، لم يعد ينظر إلى الجغرافيا بالطريقة نفسها. أصبح يبحث عن الأمان قبل أي شيء آخر، وصارت المنطقة، بالنسبة إلى كثيرين، أكثر من عنوان سكن؛ أصبحت مساحة يشعرون فيها بالاستقرار والانتماء.

وهنا تبدأ الحكاية.

حين يصبح العقار أكثر من منزل

في أي دولة طبيعية، يبقى العقار استثمارًا أو منزلًا أو مشروعًا اقتصاديًا. أما في المجتمعات الخارجة من الحروب والانقسامات، فقد يكتسب العقار معنى آخر.

فالبيت ليس أربعة جدران، بل تثبيت للوجود. وكل عملية بيع وشراء تساهم، مع مرور الوقت، في رسم الخريطة السكانية للحي والبلدة والمدينة.

ومن هنا، تبرز أسئلة يتداولها لبنانيون عن ممارسات يواجهها بعض المشترين في مناطق معينة، حيث تصبح هوية المشتري أو انتماؤه عاملًا حاضرًا في بعض قرارات البيع. قد تختلف هذه الممارسات من منطقة إلى أخرى، ولا يمكن تعميمها، لكنها، إن وجدت، تطرح سؤالًا يتجاوز السوق العقارية نفسها.

فعندما تدخل الهوية إلى معادلة البيع، لا يعود العقار مجرد سلعة، بل يتحول، في بعض الحالات، إلى أداة تؤثر في شكل الجغرافيا وتركيبة المجتمع.

 

المتاريس سقطت... والهواجس بقيت

في الحرب، كانت الحدود تُرسم بالسلاح.

أما اليوم، فقد يرى البعض أن الحدود تُرسم أحيانًا بوسائل اجتماعية واقتصادية أكثر هدوءًا، لكنها قد تترك آثارًا بعيدة المدى.

ليس لأن اللبنانيين يريدون بالضرورة إعادة إنتاج الحرب، بل لأن الحروب الطويلة تترك خلفها خوفًا متراكمًا يصعب محوه بقرار سياسي أو باتفاق سلام.

هذا الخوف، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا حول أسبابه، قد يدفع بعض الأفراد أو المجتمعات المحلية إلى التشبث ببيئاتهم، أو إلى البحث عن ضمانات يشعرون أنها توفر لهم الاستقرار.

وهنا، تصبح الجغرافيا جزءًا من معادلة الأمن النفسي، لا مجرد مساحة على الخريطة.

 

 

 

الفيدرالية... نقاش سياسي أم واقع يفرض أسئلته؟

كلما طُرحت الفيدرالية في لبنان، ينقسم اللبنانيون بين من يراها مشروعًا لإنقاذ الدولة، ومن يعتبرها مدخلًا إلى تقسيمها.

لكن بعيدًا عن السجال السياسي، يفرض الواقع سؤالًا آخر: إذا كانت بعض المناطق تشهد أنماطًا مختلفة في الإدارة المحلية أو في العلاقة بين السكان أو في بعض الممارسات المرتبطة بالسكن والتملّك، فهل يعكس ذلك مجرد نتائج لأزمة الدولة، أم أنه يكشف عن تحولات أعمق في علاقة اللبنانيين بالجغرافيا والانتماء؟

قد يختلف اللبنانيون حول الجواب، لكن مجرد طرح السؤال يعكس حجم التغيير الذي طرأ على المجتمع خلال العقود الماضية.

 

 

المشكلة ليست في المصطلح... بل في الدولة

قد يكون من السهل أن ينشغل اللبنانيون بالسجال حول كلمة "فيدرالية"، لكن المشكلة الأعمق قد تكون في مكان آخر.

فعندما يشعر المواطن أن الدولة لم تعد المرجع الأول لحماية حقوقه أو لضمان المساواة بين المواطنين، يزداد اعتماد الناس على بيئاتهم المحلية وشبكاتهم الاجتماعية. وهذا التحول، مهما كانت أسبابه، يضعف فكرة المواطنة المشتركة ويجعل الجغرافيا أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة اليومية.

وهنا يصبح النقاش الحقيقي: كيف يمكن إعادة بناء دولة يشعر فيها المواطن أن القانون وحده يحكم حقه في السكن والتملك والعمل، لا الانتماء ولا الموقع الجغرافي؟

 

 

لبنان أمام مرآة نفسه

قد لا يكون لبنان قد غيّر نظامه السياسي.

وقد لا يكون دخل الفيدرالية.

لكن من الصعب إنكار أن الحروب والأزمات تركت آثارًا عميقة في المجتمع، وأن هذه الآثار تستحق نقاشًا صريحًا، بعيدًا عن الشعارات والاتهامات المتبادلة.

فالمشكلة ليست في أن يختلف اللبنانيون حول شكل النظام.

المشكلة هي أن تتحول آثار الحرب إلى قواعد غير مكتوبة تحكم الحياة اليومية، من دون أن يجرؤ أحد على الاعتراف بأنها موجودة أو مناقشتها.

لهذا، ربما لم يعد السؤال الأهم: هل نريد الفيدرالية أم لا؟

بل أصبح السؤال: كيف نعيد بناء الثقة بدولة يشعر فيها اللبناني أن هويته كمواطن تكفي، فلا يحتاج إلى أن يبحث عن الأمان في الجغرافيا قبل أن يبحث عنه في القانون؟

لأن الدول لا تنهار دفعة واحدة.

ولا تُبنى دفعة واحدة.

بل تتغير، بهدوء، عندما تتغير علاقة الناس بالأرض، وبالدولة، وببعضهم البعض.