كيف خرج النقاش اللبناني حول إسرائيل من دائرة التحريم السياسي إلى المواجهة العلنية؟
06-08-2026 01:31 PM GMT+03:00
أعادت الصورة التي جمعت رجل الأعمال والمصرفي اللبناني أنطون صحناوي برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خلال حفل عشاء في واشنطن، الأسبوع الماضي، تسليط الضوء على الانقسام اللبناني حول العلاقة مع إسرائيل، وهو انقسام يعكس خلافًا أعمق مرتبطًا برؤية اللبنانيين لهوية بلدهم ودوره في المنطقة.
ولم يعد هذا الخلاف محصورًا بالشعارات والمواقف التاريخية، بل توسّع خلال العامين الماضيين بفعل التحولات السياسية والأمنية التي شهدها لبنان والشرق الأوسط، خصوصًا بعد الحرب الواسعة بين إسرائيل و«حزب الله» في خريف عام 2024، وما تبعها من تغيرات في موازين القوى.
ومع بدء مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ثم توقيع «اتفاق الإطار» الذي وضع أسس متابعة هذا المسار، انتقل النقاش بشأن العلاقة مع إسرائيل تدريجيًا من دائرة المحظورات السياسية إلى ساحة السجال العلني بين القوى اللبنانية.
ويتمحور الخلاف الحالي حول رؤيتين أساسيتين؛ الأولى تعتبر أن التطورات الإقليمية والدولية تفرض على لبنان إعادة تحديد موقعه، بما قد يشمل التوصل إلى سلام مع إسرائيل ضمن تسوية شاملة. أما الثانية فترى أن أي انتقال من وقف إطلاق النار إلى التفاوض السياسي أو السلام يمثل تنازلًا يمس ثوابت لبنان وخياراته الوطنية.
مواقف القوى السياسية اللبنانية
يعكس المشهد السياسي الانقسام القائم في الشارع اللبناني، إذ تختلف مواقف الأحزاب والقوى حول مستقبل العلاقة مع إسرائيل.
في المقابل الأول، يرفض «الثنائي الشيعي» المتمثل في «حزب الله» و«حركة أمل» أي حديث عن السلام أو التطبيع، معتبرًا أن الصراع مع إسرائيل مرتبط بمسألة وجودية، وأن أي اتفاق معها يشكل تخليًا عن ثوابت وطنية وقومية.
أما غالبية القوى المسيحية، فتبدو أكثر استعدادًا لقبول أي خيار تتبناه الدولة اللبنانية. وتدعو «القوات اللبنانية» إلى تحقيق استقرار دائم على الحدود الجنوبية، معتبرة أن الحديث عن سلام مع إسرائيل ما زال سابقًا لأوانه قبل حل القضية الفلسطينية.
من جهته، قال رئيس حزب «الكتائب اللبنانية» النائب سامي الجميل إن للبنان الحق في البحث عن الوسائل التي تؤدي إلى الاستقرار، متسائلًا عن سبب استمرار دفع لبنان ثمن القضية الفلسطينية، ومؤكدًا حق اللبنانيين في إنهاء الصراع مع إسرائيل والعيش بسلام وإعادة بناء بلدهم.
أما «التيار الوطني الحر»، فيتخذ موقفًا أكثر تحفظًا، من دون إعلان رفض مبدئي لفكرة السلام، ويربطها بالظروف السياسية والضمانات المرتبطة بالسيادة اللبنانية.
الموقف السني والدرزي
تتعامل القوى السنية مع الملف من منطلق الموقف العربي العام، معتبرة أن أي خطوة لبنانية يجب أن تكون منسجمة مع التوافق العربي وألا تشكل خروجًا عنه.
بدوره، يتمسك «الحزب التقدمي الاشتراكي» ورئيسه السابق وليد جنبلاط بخيار الهدنة وتثبيت وقف إطلاق النار، مع رفض الانتقال إلى مرحلة السلام أو التطبيع، بسبب الظروف السياسية والتاريخية القائمة.
انقسام مرتبط بهوية لبنان
ويرى مراقبون أن هذا التباين يعكس غياب رؤية وطنية موحدة حول واحدة من أكثر القضايا حساسية، إذ يقارب كل فريق الملف من زاوية مختلفة مرتبطة بتصوراته لهوية لبنان ودوره الإقليمي.
وتقول أستاذة علم النفس في الجامعة اللبنانية الدكتورة منى فياض إن المجتمع اللبناني ينقسم إلى شريحتين أساسيتين؛ الأولى ترى أن لبنان ينتمي إلى منظومة غربية متوسطية، وأن الانفتاح على إسرائيل قد يكون امتدادًا طبيعيًا لهذا الخيار في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية.
أما الشريحة الثانية، فتعتبر نفسها جزءًا من صراع إقليمي مع إسرائيل، وترى أن أي علاقة معها تمثل خيانة سياسية وأخلاقية لأنها تمس تعريف الهوية الجماعية باعتبار إسرائيل دولة عدوة.
وتشير فياض إلى أن الحروب السابقة لا تزال حاضرة في الذاكرة اللبنانية، إذ ينقسم اللبنانيون بين من يريد تجاوز الماضي والتركيز على إخراج البلاد من أزماتها، ومن يرى أن الحفاظ على هذه الذاكرة ضرورة مرتبطة بالوعي الجماعي.
وتوضح أن مؤيدي الانفتاح يرون أن لبنان، في ظل أزماته الاقتصادية والسياسية، لا يملك ترف رفض أي مسار قد يساعده على الخروج من أزمته، بينما يعتبر الرافضون أن المسألة تتعلق بمبدأ وجودي وأخلاقي لا يمكن اختزاله بخيار سياسي.
السلام أم الاستسلام؟
توضح فياض أن مفهوم السلام نفسه بات موضع خلاف بين اللبنانيين، إذ يعتبره فريق خيارًا سياديًا قائمًا على إرادة متبادلة، بينما يراه فريق آخر شكلًا من أشكال الاستسلام.
وتشير إلى وجود فئة ثالثة تربط موقفها بما تقرره الدولة اللبنانية، وتلتزم بأي خيار سيادي تتخذه المؤسسات الرسمية.
وتخلص فياض إلى أن المشهد اللبناني الحالي لا يعكس وجود خيار وطني جامع، بل مجموعة خيارات متعارضة تكشف عمق الانقسام داخل المجتمع اللبناني حول مستقبل البلاد وموقعها في المنطقة.
المصدر : وكالات








