يقف لبنان اليوم عند مفترق تاريخي حاسم، حيث لم تعد القرارات التي تتخذها السلطة مجرد إجراءات آنية، بل خيارات سترسم ملامح الدولة لعقود مقبلة. فنجاح هذه المرحلة كفيل بتحويلها إلى نقطة تحول تؤسس لمسار جديد من الاستقرار والسيادة واستعادة الثقة، فيما سيؤدي الإخفاق في استثمارها إلى إهدار فرصة تاريخية قد لا تتكرر، ويُبقي البلاد رهينة الأزمات والتراجع، بعيداً عن مسار الدول المستقرة والقادرة على فرض سيادتها.


 

وفي هذا السياق، كلف الجيش اللبناني بأهم مهمة له قد تكون في تاريخه، وهو اذا اراد النجاح سيكون قادرا على  ذلك.
فللمرة الأولى منذ عقود، يرتبط مستقبل لبنان إلى حدّ كبير بقدرة الجيش اللبناني على بسط سلطة الدولة، وحصر السلاح بيدها، وتأمين عودة النازحين إلى قراهم، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية. لذلك، فإن ما يواجهه الجيش اليوم يتجاوز كونه مهمة أمنية أو عسكرية تقليدية، ليشكّل اختباراً مصيرياً لقدرة المؤسسة العسكرية على تثبيت سلطة الدولة، واختباراً حاسماً لمدى قدرة الدولة نفسها على استعادة سيادتها وترسيخ حضورها على كامل أراضيها خصوصا ان كل اللبنانيين ينظرون إليه بأمل. 

حتى ان القلة القليلة التي كانت لا تزال تعلق آمالاً على المفاوضات الأميركية-الإيرانية أدركت الآن أن هذا الرهان انتهى. باعتبار إيران تركز على مصالحها الخاصة فقط، ولا نية لديها للتوصل إلى اتفاقات تجلب الأمن للبنان. على العكس، هي في وضع صعب على كل المستويات لا سيما على صعيد قدراتها العسكرية التي تراجعت، واقتصادها الذي يتآكل، اضافة إلى الخلافات الداخلية بين كبار مسؤوليها والتي تعيق أي قرار فعال. فإيران باتت سفينة تغرق، وعلى لبنان أن ينفصل عنها فوراً بدل أن يُسحب معها إلى القاع.

لهذا السبب، أصبح لزاماً على لبنان أن يقلل علاقاته مع إيران بشكل حاسم، حتى لا تتمكن طهران بعد الآن من تسليح "حزب الله" وتمويله وتوجيهه. هذه الأنشطة تتم عبر استغلال الغطاء الدبلوماسي، مما يعني أن الدولة اللبنانية قادرة على وقفها بقرار سياسي واضح وجريء.

كما ان وجود مقاتلين ينتمون إلى ميليشيات مدعومة من إيران، من جنسيات عراقية وفلسطينية وحوثية على الأراضي اللبنانية، يشير إلى تبدّل في طبيعة القوة التي يستند إليها "حزب الله"، وهذا الواقع يعززه الانطباع بأن الحزب لم يعد يعتمد بالدرجة نفسها على حاضنته المحلية، بل بات يستند بصورة متزايدة إلى مقاتلين أجانب لا ترتبط مشاركتهم بمصالح لبنان أو أولوياته الوطنية، وإنما بأجندة إقليمية تقودها طهران.
اذا محاولات "حزب الله " تقويض اتفاق الاطار، كما يظهر اليوم، تكشف جوهر موقفه. وهو لا يريد أمناً حقيقياً، ولا يريد وقف إطلاق نار مستدام، ونجاح الانسحاب الإسرائيلي عبر الدولة. بل ما يهمه هو أن تأتي أي إنجازات عبره وعبر إيران، لا عبر المؤسسات اللبنانية. والحزب يخشى ايضا من أن أي نجاح أو تعزيز  للسلطة اللبنانية ، لأنه يدرك جيداً أن تقدم الدولة يعني بداية نهايته.

لبنان أمام خيار تاريخي واضح. إما أن يتمسك بمسار الدولة والجيش والمفاوضات، ويقطع روابط التبعية لإيران، أو أن يبقى رهينة لمشروع ينهار. الجيش اللبناني يحمل اليوم مفتاح المرحلة. واللبنانيون ينتظرون منه التنفيذ الكامل والحازم. الفرصة قائمة، والتاريخ لن يرحم التردد.