هرمز في الواجهة والنووي في الظل.. هل تشتري إيران الوقت من واشنطن؟
07-08-2026 03:15 PM GMT+03:00
ففي الوقت الذي تضع فيه واشنطن منع إيران من امتلاك سلاح نووي في صدارة خطوطها الحمراء، يبرز سؤال أساسي حول مستقبل المفاوضات: هل تقود المحادثات إلى تفكيك فعلي للقدرات النووية الإيرانية، أم تمنح طهران مهلة جديدة لإعادة ترميم ما دمرته الحرب؟
وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، كان منع إيران من تطوير سلاح نووي من أبرز الأسباب التي دفعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى شن الحرب عليها.
هرمز على الطاولة... والنووي في الخلفية
تتزامن المفاوضات مع استمرار الغموض حول مصير المخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب، في ظل منع طهران عمليات التفتيش الأممية في عدد من أكثر منشآتها النووية حساسية.
ورغم الضربات التي استهدفت ثلاثة مواقع نووية رئيسية خلال عامي 2025 و2026، تشير تقديرات نقلتها الصحيفة إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزونًا من اليورانيوم المخصب إلى مستويات تقترب من الدرجة اللازمة لصناعة الأسلحة، وبكمية يمكن أن تكفي لإنتاج ما يصل إلى 10 قنابل نووية بسرعة، وفقًا لمفتشي الأمم المتحدة.
هذا الواقع دفع خبراء في المجال النووي إلى التحذير من أن أزمة مضيق هرمز قد تتحول إلى ورقة تفاوضية بيد طهران، تستخدمها للحصول على تخفيف للعقوبات وتنازلات اقتصادية وسياسية قبل الدخول في صلب الملف النووي.
ترامب يلوّح بالخيار العسكري
وفي رسالة واضحة إلى طهران، أكد ترامب أن الخيار العسكري لا يزال مطروحًا في حال انسحاب إيران من المفاوضات، مشددًا على أن بلاده لن تسمح لها بامتلاك سلاح نووي.
وقال ترامب لشبكة «فوكس نيوز» إن إيران ستتعرض لضربة «قوية جدًا» إذا انسحبت من المحادثات، مضيفًا أن الولايات المتحدة «ليس لديها خيار» في حال واصلت طهران السعي إلى امتلاك سلاح نووي.
وأشار الرئيس الأميركي إلى أن الضربة الأقسى لم تأتِ بعد، معربًا عن أمله في عدم الاضطرار إلى استخدامها.
لكن ترامب أوضح في الوقت نفسه أن إعادة فتح مضيق هرمز ستكون نقطة البداية في المفاوضات، على أن يأتي بحث البرنامج النووي الإيراني في مرحلة لاحقة.
وهنا تحديدًا تكمن المخاوف الأميركية من أن تتمكن طهران من إعادة ترتيب أولويات المفاوضات بما يخدم مصالحها.
واشنطن تخشى استنزاف أوراق الضغط
ترى أندريا ستريكر، نائبة مدير برنامج منع الانتشار والدفاع البيولوجي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن من مصلحة إيران دفع المفاوضات باتجاه الملفات التي تمتلك فيها أوراق قوة أكبر.
وتشير إلى أن طهران قد تسعى أولًا إلى انتزاع تنازلات تتعلق بالعقوبات المفروضة على قطاع النفط، وربما رفع العقوبات الأميركية بصورة أوسع، قبل الدخول في التفاصيل النووية.
وتحذر ستريكر من أن نجاح إيران في فرض هذا المسار قد يؤدي إلى استنزاف أدوات الضغط الأميركية، بما يقلل قدرة واشنطن لاحقًا على انتزاع تنازلات كبيرة في الملف النووي.
إيران ومناورة «الورقة البحرية»
لم يكن طرح مضيق هرمز كمدخل للمفاوضات مفاجئًا. فقد أفادت «أكسيوس» في أبريل/نيسان بأن إيران اقترحت إعادة فتح المضيق وإنهاء الحرب قبل الدخول في مفاوضات نووية.
ومن شأن مثل هذا الترتيب أن يخفف، بحسب تقارير، قدرة الولايات المتحدة على الضغط على طهران في ملفات تخصيب اليورانيوم وحجم مخزونها من المواد النووية.
كما أفادت «واشنطن بوست» بأن إيران ركزت على الاحتفاظ بأوراق الضغط التي تمتلكها عبر مضيق هرمز، بدلًا من الانخراط بصورة مباشرة في مناقشة القيود الأساسية المفروضة على برنامجها النووي.
«لا يمكن قصف المعرفة النووية»
وترى كيلسي دافنبورت، مديرة سياسة منع الانتشار في رابطة الحد من التسلح، أن تركيز إيران على مضيق هرمز يعكس رغبتها في استثمار نفوذها على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، واختبار مدى استعداد ترامب للتفاوض معها.
وتلفت إلى أن أي اتفاق مستدام سيضطر في نهاية المطاف إلى معالجة الملف النووي، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الضربات العسكرية لا تستطيع محو المعرفة والخبرة النووية التي راكمتها إيران.
وبحسب دافنبورت، لا تزال طهران تمتلك مواد وتقنيات رئيسية يمكن أن تساعدها على بناء قنبلة، ما يعني أن بقاء البرنامج النووي خارج منظومة رقابة فعالة قد يشكل مصدرًا لاستمرار عدم الاستقرار وتجدد المواجهة.
تأجيل النووي... ماذا يعني؟
تحذر ستريكر من أن تأجيل الملف النووي إلى المراحل الأخيرة من المفاوضات قد يسمح لإيران بالحفاظ على مخزوناتها المتبقية من اليورانيوم المخصب، إلى جانب أجزاء من بنيتها التحتية النووية.
كما قد يتيح لها تجنب تقديم إجابات بشأن أنشطتها السابقة المرتبطة بتطوير الأسلحة النووية، أو الالتزام بإنهاء عمليات تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة البلوتونيوم.
وترى أن ترك هذه الملفات إلى نهاية المفاوضات قد يجعل من الصعب انتزاع تنازلات إيرانية جوهرية أو التوصل إلى اتفاق نووي طويل الأمد.
مفتشو الوكالة الدولية... مفتاح المرحلة المقبلة
في المقابل، تعتبر دافنبورت أن الخطوة الأولى يجب أن تكون إعادة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع النووية الإيرانية قبل الدخول في مفاوضات نووية تفصيلية.
وتشير إلى أن الوكالة لم تتمكن من الوصول إلى مواقع نووية إيرانية رئيسية منذ أكثر من عام، ما يجعل حجم البنية التحتية التي لا تزال قائمة ومواقع المواد النووية المتبقية غير واضح بشكل كامل.
واستئناف عمليات التفتيش من شأنه أن يمنح واشنطن والمفاوضين صورة أكثر دقة عن المنشآت والمواد التي نجت من الحرب، ويمهد لوضع نظام تحقق قادر على سد الثغرات ومنع أي خروقات مستقبلية.
اتفاقات صغيرة بدل صفقة واحدة؟
وتقترح دافنبورت ربط أي تخفيف للعقوبات بخطوات إيرانية محددة وقابلة للتحقق، بدلًا من انتظار التوصل إلى اتفاق شامل دفعة واحدة.
وترى أن سلسلة من الاتفاقات المرحلية يمكن أن تساعد في بناء الثقة بين الطرفين، مع الحفاظ على أدوات الضغط الأميركية إلى حين تحقيق تقدم ملموس في الملف النووي.
وبحسب هذا الطرح، يجب ألا يحظى مضيق هرمز بأولوية تفوق الملف النووي، بل ينبغي التعامل مع الملفين باعتبارهما جزءًا من مسار تفاوضي واحد.
أقل من عام... والساعة النووية تدق؟
أما جيمس أكتون، الفيزيائي والمحلل المتخصص في الشأن الإيراني لدى مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، فيقدم تقديرًا أكثر إثارة للقلق.
فبحسب أكتون، لا يزال جزء كافٍ من البرنامج النووي الإيراني قائمًا، بما قد يسمح لطهران، إذا تُركت من دون تدخل أو قيود، بإنتاج قنبلة نووية خلال أقل من عام، وربما في فترة أقصر بكثير.
وهكذا، لا تبدو معركة مضيق هرمز منفصلة عن الملف النووي، بل قد تكون جزءًا من معادلة تفاوضية أكبر: إيران تريد استخدام الممر البحري كورقة ضغط، فيما تسعى واشنطن إلى منع تحول هذه الورقة إلى فرصة لإعادة بناء المشروع النووي الإيراني.
ويبقى السؤال الأبرز: هل يكون هرمز بوابة لاتفاق نووي جديد، أم «ممرًا» تشتري عبره طهران الوقت لإعادة ترتيب أوراقها النووية؟
المصدر : وكالات








