لم يعد نزع سلاح "حزب الله " مجرد خيار سياسي مطروح للنقاش، بل بات استحقاقاً وطنياً لا يحتمل المزيد من التأجيل. فاستمرار وجود أي قوة عسكرية خارج سلطة الجيش اللبناني يكرّس ازدواجية القرار الأمني والعسكري، ويُضعف مؤسسات الدولة، ويُبقي لبنان عرضة لمخاطر وأزمات متواصلة.


وتستند هذه الضرورة إلى معطيات واضحة؛ إذ لم يؤدِ سلاح "حزب الله" إلى تحقيق أمن مستدام، ولم يحُل دون وقوع الدمار، كما لم يحمِ اللبنانيين من موجات النزوح والخسائر المتكررة. بل على العكس، أسهم في زجّ لبنان في صراعات إقليمية، وأبقى قرار السلم والحرب خارج إطار المؤسسات الدستورية والشرعية. 
من هنا، فإن استكمال عملية نزع السلاح بصورة كاملة يشكّل المدخل الأساسي لاستعادة سلطة الدولة وهيبتها، ومنع تكرار التجارب التي دفعت البلاد أثمانها الباهظة.

كما ان خطورة الإبقاء على أي جزء من ترسانة الحزب العسكرية لا تقل عن خطورة الإبقاء عليها كاملة. فالسلاح المتبقي، مهما صغر حجمه، يبقى أداة ضغط وتهديد، ويحافظ على واقع الدولة داخل الدولة. لذلك ان أي تسوية ناقصة أو نزع جزئي لن يعيد الثقة، ولن يبني دولة قوية، ولن يقنع اللبنانيين ولا المجتمع الدولي بأن لبنان قد استعاد سيادته فعلاً.

لهذا فإن الثقة بلبنان لن تعود طالما بقيت الميليشيات المسلحة موجودة، أو طالما بقيت الدولة ضعيفة أمامها. باعتبار أن رأس المال السياسي والاقتصادي والاجتماعي لهذا البلد مرتبط مباشرة بقدرة مؤسساته على فرض سلطتها. كما أن وجود سلاح موازٍ يُفرغ أي إصلاح أو أي مسار تفاوضي من مضمونه، ويبقي البلاد في دائرة الشك والهشاشة.

وفي هذا الإطار ، فإن الجيش اللبناني هو الجهة الوحيدة المخولة ببسط السيطرة على جميع المناطق، ونزع سلاح كل الميليشيات، وعلى رأسها "حزب الله". وهذه المهمة ليست تقنية فحسب، بل هي جوهر استعادة السيادة. كما ان انتشار الجيش وفرض سلطته على كامل الأراضي اللبنانية هو الضمانة الحقيقية لعودة النازحين، وللاستقرار الأمني، ولإعادة بناء الثقة داخلياً وخارجياً.

في المحصلة، لا يمكن للبنان أن يستعيد عافيته أو يبني دولة قوية ومستقرة في ظل وجود سلاح خارج سلطة الدولة. فاستكمال نزع سلاح "حزب الله"، وترسيخ حصرية السلاح بيد الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية، لا يمثلان مطلباً فئوياً أو استهدافاً لأي مكوّن، بل يشكلان الركيزة الأساسية لقيام دولة ذات سيادة كاملة. فالمعادلة باتت واضحة ، إما دولة تحتكر وحدها قرار السلم والحرب وتمتلك وحدها السلاح الشرعي، وإما استمرار واقع الازدواجية وما يرافقه من ضعف وعدم استقرار. ويبقى التنفيذ العملي لهذه المعادلة هو العامل الحاسم في رسم مستقبل لبنان.


المصدر : Transparency News