جورج بولس


كلُّ خريفٍ يهبط على هذه الأرض يحمل معه سؤالًا لا جواب له: لماذا صار الوطن يودِّع أبناءه أكثر مما يستقبلهم؟

حين ترحل آخرُ نسائم الصيف، وتحلّق حمائم أيلول نحو آفاقها البعيدة، لا أشعر أن الفصول تتبدّل، بل أشعر أن الوطن يفقد شيئًا من روحه. تتعرّى الحقول من أغانيها، وتبقى الأشجار واقفةً في صمتٍ يشبه صلاة الأمهات، بينما تصطفّ حقائب السفر على الأرصفة كأنها  تحمل أعمارًا لم تعش بعد، وأحلامًا أُجبرت أن تبحث عن شمسٍ أخرى.

هناك... عند بوابات الرحيل، لا يودِّع المسافرون أهلهم فحسب، بل يودِّعون جزءًا من أنفسهم.

يبتسم الابن كي لا ترى أمُّه انكسار قلبه، وتبتسم الأم كي لا يثقل على ولدها وجع الفراق، لكن العيون لا تعرف الكذب. فما إن يدير المسافر ظهره، حتى ينفلت الدمع من عينيها كما ينفلت المطر من غيمةٍ أنهكها الاحتباس.

ما أقسى أن يصبح الوطن محطةً للوداع، لا بيتًا للأحلام.

وما أمرَّ أن تتحول المطارات إلى مواسم حصاد، لا تُحصد فيها السنابل، بل يُحصد الشباب؛ يحمل كلُّ واحدٍ منهم حقيبةً صغيرة، وفي قلبه وطنٌ كامل: رائحة الخبز، وظلُّ شجرةٍ في ساحة الدار، وصوتُ أمٍّ كانت تناديه باسمه كما لو أنها تنادي الحياة نفسها.

إنهم لا يرحلون لأنهم أحبوا الغربة، بل لأنهم أحبوا الحياة. خرجوا يبحثون عن كرامةٍ لا تُهان، وعن فرصةٍ لا تُؤجَّل، وعن غدٍ لا يخافون منه. ولو كان للوطن متّسعٌ لأحلامهم، لما حملوا حقائبهم، ولا تركوا خلفهم نوافذَ لا تزال تنتظر عودتهم كل مساء.

يا وطني...

أما آن لك أن تتعب من عدِّ المسافرين؟

أما اشتقتَ إلى ضحكات الشباب وهي توقظ صباحاتك، وإلى سواعدهم وهي تبني حقولك ومدنك، وإلى أحلامهم وهي تكبر تحت سمائك لا تحت سماء الآخرين؟

إن الأوطان لا تُقاس بما تشيده من أبراج، بل بما تحفظه من قلوب. ولا يخلّدها الحجر، بل الإنسان. فكلُّ شابٍّ يهاجر يحمل معه صفحةً من مستقبل وطنه، وكلُّ أمٍّ تلوّح لولدها مودِّعةً، تطوي في تلك اللحظة سنواتٍ من عمرها، وتترك عند باب السفر قلبًا لن يعود كما كان.

يا أيها المسؤولون...

ليس الوطن ميزانيةً وأرقامًا وخطبًا تُلقى على المنابر.

الوطن هو أن تنام الأم مطمئنةً لأن أبناءها في الغرفة المجاورة، لا في قارةٍ أخرى.

الوطن هو أن يزرع الشاب حلمه في أرضه، فيكبر معه، لا أن يدفنه في حقيبة سفر.

الوطن هو أن يعود المساء، فتضيء البيوت بأهلها، لا بشاشات الهواتف.

ازرعوا في هذه الأرض عدلًا، يثمر كرامة. وازرعوا فيها عملًا، يثمر أملًا. وافتحوا للشباب أبواب المستقبل قبل أن تفتح لهم المطارات أبواب المنافي. فليس أشدُّ فقرًا من وطنٍ غنيٍّ بأبنائه، ثم يتركهم هديةً للغربة.

وأنتِ... يا أمَّ الوطن...

لا تطفئي القنديل الذي تضعينه كلَّ مساء عند نافذة الانتظار، مهما طال المسير، سيأتي يومٌ يعود فيه الذين أرهقهم الحنين، يحملون في عيونهم تعب السنين، وفي أكفّهم شوق الأرض،  ستعود الضحكات إلى البيوت، ويصبح للطرقات وقعُ أقدامٍ كانت غائبة، وتغسل الأمهات وجوههن بدموع الفرح، بعد أن طال اغتسالها بدموع الانتظار.


المصدر : Transparency News