بعد عقدين من حرب تموز 2006، تبدو الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية أمام مرحلة عسكرية مختلفة جذرياً، بعدما تراجعت قواعد الردع المتبادل التي حكمت المواجهة لسنوات، لتحل مكانها معادلات جديدة تقوم على الضربات الاستباقية، والسيطرة بالنار، والتفوّق الاستخباراتي، وحرية العمل العسكري الإسرائيلي. فكيف تغيّرت قواعد الاشتباك بين 2006 و2026، وما الذي فرض هذا التحوّل؟


شهدت الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً عميقاً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فالقواعد غير المعلنة التي نشأت بعد حرب تموز 2006، وأسهمت في إبقاء التصعيد ضمن حدود معينة لنحو 17 عاماً، تبدّلت بصورة جذرية مع الحرب الأخيرة، التي أفرزت واقعاً عسكرياً جديداً يقوم على المنطقة العازلة بالنار، والضربات الاستباقية، والسيطرة بالنار، وحرية العمل العسكري الإسرائيلي.

ولم يقتصر التغيير على الأسلحة أو موازين القوى، بل طال فلسفة إدارة الصراع نفسها. فبعدما كان الردع المتبادل ورفع كلفة الحرب على الطرفين يشكلان الأساس لمنع اندلاع مواجهة شاملة، باتت الأولوية اليوم لتعطيل قدرات الخصم قبل استخدامها، مستفيدةً إسرائيل من تفوقها الاستخباراتي والتكنولوجي والجوي.

قواعد ما بعد 2006... ردع متبادل لمنع الحرب

يرى اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي أن جذور قواعد الاشتباك لا تعود فقط إلى حرب تموز 2006، بل إلى تفاهم نيسان 1996، الذي وضع إطاراً يقوم على تجنّب استهداف المدنيين.

وبعد حرب 2006، ترسخت هذه القواعد بصورة أوضح، مع حصر عمليات «حزب الله» بالمناطق المحتلة، ولا سيما مزارع شبعا، مقابل بقاء الردود الإسرائيلية ضمن حدود هدفت، في معظم الأحيان، إلى تجنب الانزلاق نحو حرب شاملة.

ويشير شحيتلي إلى أن مرحلة ما بعد 2006 لم تكن مرحلة سلام، بل إدارة دقيقة للصراع. فقد التزم الطرفان، بدرجات مختلفة، معادلات ردع غير معلنة، أبرزها «بيروت مقابل تل أبيب» و«الضاحية مقابل حيفا». ولم يكن المقصود تحقيق تكافؤ عسكري، بل جعل كلفة الحرب مرتفعة على الطرفين.

كما لعبت «اليونيفيل» وقنوات التنسيق بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي دوراً في احتواء الحوادث الميدانية، إلى جانب تدخلات دولية، ولا سيما أميركية، ساعدت على منع انتقال التصعيد المحدود إلى مواجهة واسعة.

لماذا انهارت هذه المنظومة؟

بحسب العميد الركن المتقاعد بهاء حلّال، لم يكن انهيار قواعد ما بعد 2006 نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تحولات استراتيجية تراكمت خلال السنوات الماضية، وبلغت ذروتها مع الحرب التي اندلعت بعد 7 تشرين الأول 2023.

ومن أبرز هذه التحولات: تغيّر البيئة الإقليمية، دخول الجبهة اللبنانية في حرب استنزاف طويلة، توسّع استخدام المسيّرات والقدرات الدقيقة، التطور الكبير في القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية، وتراجع فاعلية الردع التقليدي أمام استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة.

ويعتبر حلّال أن هذه التطورات نقلت إسرائيل من سياسة الرد على التهديد إلى محاولة منعه قبل تشكّله، عبر المراقبة المستمرة، والاستهداف المسبق، ومنع «حزب الله» من إعادة بناء قدراته العسكرية.

خمس قواعد جديدة للمواجهة

يرى حلّال أن البيئة العملياتية الجديدة تقوم على خمس قواعد أساسية:

أولاً: المنطقة العازلة بالنار.

لم تعد إسرائيل تعتمد فقط على وجود قواتها قرب الحدود، بل على الطائرات المسيّرة والاستطلاع والضربات الجوية والاغتيالات لمنع إعادة بناء البنية العسكرية، ما جعل المنطقة العازلة ذات طبيعة نارية أكثر منها جغرافية.

ثانياً: توسيع حرية العمل العسكري الإسرائيلي.

أصبحت إسرائيل تسعى إلى استهداف القدرات التي تعتبرها تهديداً قبل استخدامها، منتقلة من سياسة رد الفعل إلى المبادرة العسكرية.

ثالثاً: السيطرة بالنار.

يقوم هذا المفهوم على الاستطلاع المستمر، واكتشاف الأهداف واستهدافها بسرعة، بما يمنح الطرف صاحب التفوق الاستخباراتي قدرة أكبر على التحكم بإيقاع المواجهة.

رابعاً: الضربات الاستباقية.

لم يعد تنفيذ الضربة مرتبطاً بوقوع هجوم فعلي، بل أصبح احتمال تشكل تهديد مستقبلي مبرراً للتحرك العسكري.

خامساً: الردود الموضعية واحتواء التصعيد.

بدلاً من الانتقال مباشرة إلى ردود استراتيجية واسعة، باتت المواجهة تميل إلى ضربات محدودة وتكتيكية تهدف إلى احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى حرب شاملة.

وبذلك، انتقل مركز الثقل تدريجياً من «توازن القوة» إلى «توازن المعلومات»، حيث أصبحت القدرة على جمع المعلومات واكتشاف الأهداف وتحديدها بسرعة عاملاً حاسماً في إدارة المعركة.

من الردع المتبادل إلى فرض قواعد جديدة

يرى العميد الركن المتقاعد فادي داود أن الحرب الأخيرة لم تغيّر قواعد الاشتباك فقط، بل غيّرت طبيعة الحرب نفسها. فإسرائيل، وفق قراءته، انتقلت من سياسة تقوم على الردع المتبادل إلى استراتيجية تسعى إلى فرض قواعد ميدانية جديدة مستفيدة من تفوقها العسكري والتكنولوجي.

ويشير داود إلى أن معادلات ما بعد 2006، وفي مقدمتها «بيروت مقابل تل أبيب»، قامت على قدرة كل طرف على إلحاق أضرار كبيرة بالطرف الآخر، الأمر الذي جعل قرار الحرب أكثر كلفة.

أما اليوم، فقد تبدلت المعادلة، مع انتقال إسرائيل إلى استخدام التفوق الجوي والاستخباراتي والتكنولوجي لفرض الوقائع الميدانية، فيما أصبح «حزب الله» أمام واقع عسكري أكثر تعقيداً، يسعى فيه إلى الحفاظ على قدراته وتجنب الانهيار الكامل.

خمسة تحولات أساسية

يمكن اختصار التحول الحالي، بحسب داود، في خمسة مسارات رئيسة:

1. من الردع المتبادل إلى السيطرة بالنار: عبر الاعتماد على القوة الجوية والضربات الدقيقة بدلاً من الوجود البري الدائم.

2. من اللاحرب واللاسلم إلى المبادرة العسكرية: مع اعتماد الضربات الاستباقية بدل انتظار وقوع الهجوم.

3. من المواجهة التقليدية إلى الحرب غير المتماثلة: إذ أصبحت المسيّرات والتكنولوجيا والاستطلاع والضربات الدقيقة أدوات أساسية في الصراع.

4. تبدّل مفهوم الردع لدى «حزب الله»: من الرد الفوري الذي يهدف إلى منع الهجوم، إلى ردع استنزافي يعتمد على إطالة كلفة المواجهة مع مرور الوقت.

5. تغيّر مفهوم وقف إطلاق النار: بعدما كان يعني عملياً توقف العمليات العسكرية، أصبح في المرحلة الحالية إطاراً سياسياً لا يمنع بالضرورة استمرار بعض العمليات والضربات على الأرض.

جبهة جنوبية بقواعد مختلفة

بين 2006 و2026، انتقلت الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية من مرحلة كان فيها الردع المتبادل عاملاً أساسياً في منع الحرب، إلى مرحلة تقوم بصورة أكبر على المبادرة العسكرية والسيطرة بالنار والاستهداف الاستباقي.

وبذلك، لم تعد المعادلة الجديدة تُقاس فقط بقدرة كل طرف على إلحاق الضرر بالآخر، بل بقدرته على اكتشاف التهديد وتعطيله قبل تحوله إلى خطر فعلي. وهو تحول يعكس انتقال الصراع من منطق «الرد على الهجوم» إلى منطق «منع الخصم من امتلاك القدرة على الهجوم»، ومن توازن الردع إلى محاولة فرض إيقاع عسكري جديد على الجبهة الجنوبية.


المصدر : وكالات