سمير المصري


كل طرف يرمي المسؤولية على الآخر، وكل زعيم أو حزب يتحدث عن محاربة الفساد، لكن منذ أكثر من خمسين عامًا، لم نرَ محاسبة جدية لفاسد واحد من أصحاب النفوذ، باستثناء بعض الأشخاص الذين، كما نقول بالعامية اللبنانية، "ما إلهم ظهر يحميهم".

فكل زعيم، وكل حزب، وكل جهة سياسية، يملك بطريقة أو بأخرى القدرة على حماية المحسوبين عليه، وعندما تطرح مسألة المحاسبة، نسمع العبارة نفسها: "يجب محاسبة الجميع من رأس الهرم إلى أسفله، ومن دون استثناء."

وأنا أوافق على ذلك تمامًا.

لكن إذا كنا نريد فعلًا بناء دولة، فعلينا أن نبدأ بفتح هذا الملف بجدية، ومتابعته بدقة، ومن دون أي تمييز بين زعيم وزعيم، أو حزب وحزب، أو طائفة وأخرى. كل من تورط في الفساد يجب أن يتحمل مسؤوليته، مهما علا شأنه.

هل الفساد موجود داخل مؤسسات الدولة؟

نعم، وهو موجود منذ سنوات طويلة، والجميع يعلم ذلك، والجميع يرى ويسمع، لكن المشكلة أن كثيرين يفضلون الصمت.

وهنا يجب أن يكون القضاء هو الحكم، لا الزعيم ولا الحزب ولا الطائفة. وعلى القضاء أن يحاسب كل من تثبت إدانته، مهما كان اسمه أو موقعه أو الجهة السياسية التي تقف خلفه.
اليوم نرى ملف رياض سلامة أمام القضاء. وبغض النظر عن نتائج المحاكمات وما ستثبته أو تنفيه، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح هو: هل رياض سلامة وحده مسؤول عن كل ما حصل؟

إذا كان بريئًا من بعض أو كل التهم الموجهة إليه، فعليه أن يدافع عن نفسه أمام القضاء، وإذا كان يمتلك معلومات عن أشخاص أو جهات شاركت في إدارة المرحلة المالية والسياسية، فعليه أن يقول ما يعرفه، وأن يكشف الحقائق أمام القضاء، من دون خوف أو تردد.

ففي السنوات التي كانت فيها الليرة اللبنانية في وضع مختلف، وكان يُنظر إلى حاكم مصرف لبنان على أنه أحد أهم المسؤولين الماليين في العالم، كان هناك سياسيون ومسؤولون ومصرفيون يشيدون به وبالسياسات المالية القائمة.

وكانت المصارف تجمع أموال اللبنانيين الذين تعبوا وكافحوا سنوات طويلة من أجل تأمين لقمة عيشهم وتعليم أولادهم ومستقبل عائلاتهم.

ثم، فجأة، تبخرت مدخرات الناس، وضاعت جنى أعمارهم، ووجد المواطن نفسه عاجزًا عن الوصول إلى أمواله.

وفي المقابل، بقي السؤال الكبير بلا جواب واضح:

كيف تمكن بعض أصحاب النفوذ من حماية أموالهم أو تحويلها أو إخراجها من لبنان قبل أن تصل الأزمة إلى ذروتها؟

هذا السؤال لا يمكن أن يبقى بلا إجابة، ويجب أن يتولاه القضاء والمؤسسات الرقابية، لأن الحقيقة وحدها قادرة على تحديد المسؤوليات.

الفساد ليس مسؤولية الدولة وحدها

وعندما نتحدث عن الفساد المنتشر اليوم بطريقة مخيفة، علينا أن نكون صريحين: المسؤولية ليست على الدولة وحدها، بل على الشعب اللبناني أيضًا.

لا يمكننا أن نحمل العهد الحالي أو الحكومة الحالية مسؤولية فساد تراكم داخل مؤسسات الدولة على مدى عشرات السنين.

لكن في المقابل، على أي عهد وأي حكومة أن يضعا برنامجًا جديًا ورصينًا للبدء بتنظيف مؤسسات الدولة، ولو بدأ الأمر بمحاسبة نسبة محدودة من الفاسدين.
المهم أن تبدأ المحاسبة.

وإذا هدد حزب كبير بسحب وزرائه من الحكومة لأن أحد المسؤولين المحسوبين عليه أصبح تحت المساءلة، فعلى الدولة أن تقول بوضوح: لا حماية سياسية لأحد.
لأن من يدفع الثمن في النهاية ليس الزعيم ولا الحزب، بل المواطن اللبناني.

البلديات نموذج واضح

خذوا مثلًا البلديات، وخصوصًا البلديات الكبرى.

يجب على وزارة الداخلية أن تضع آلية رقابة جدية ومستقلة على العمل البلدي، وأن تتابع أداء البلديات بصورة دورية ومنتظمة، خصوصًا في الملفات المالية والمناقصات والمشاريع والتلزيمات.

وإذا كانت هناك شبهات فساد، فليذهب الملف إلى الجهات الرقابية والقضائية المختصة.

فالبلدية ليست ملكًا لحزب أو زعيم أو عائلة. إنها ملك للناس الذين انتخبوا مجلسها ويدفعون الضرائب والرسوم من جيوبهم.

ولا يجوز أن تتحول بعض البلديات إلى أدوات انتخابية تستخدمها الأحزاب للتحضير للانتخابات النيابية المقبلة أو لتوزيع الخدمات على المحاسيب.
الفساد ليس في وزارة واحدة

المشكلة لا تتوقف عند البلديات.

هناك ملفات تحتاج إلى رقابة حقيقية في مختلف الوزارات والإدارات الرسمية، من الميكانيك إلى الدوائر العقارية، ومن الصحة إلى التربية، ومن التلزيمات إلى التعيينات.
أما التعيينات، فهي قصة أخرى.

فبدل أن يكون معيار التعيين هو الكفاءة والخبرة والنزاهة، نجد في كثير من الأحيان أن الانتماء السياسي أو القرب من زعيم أو حزب يصبح طريقًا للوصول إلى الوظيفة.
والنتيجة؟

الشاب اللبناني الذي يملك الكفاءة والخبرة يضطر إلى مغادرة وطنه، فيعمل في الخارج وينجح ويثبت نفسه في أفضل المؤسسات، بينما قد يحصل شخص أقل كفاءة على وظيفة داخل الدولة لأنه يمتلك واسطة سياسية.

وهكذا نخسر أفضل طاقاتنا، ونبقي الدولة رهينة المحاصصة.

لكن المسؤولية تقع علينا أيضًا

وهنا أعود إلى الشعب اللبناني.

لا يمكننا أن نقول إن الفاسدين وحدهم مسؤولون، بينما نحن نصفق لهم، وننتخبهم، وندافع عنهم، ونبرر أخطاءهم عندما يكونون من طائفتنا أو حزبنا أو منطقتنا.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الفساد مقبولًا إذا كان الفاسد "من جماعتنا".

وهنا تقع علينا مسؤولية كبيرة.

فالساكت عن الخطأ شريك في استمراره، والمواطن الذي يعرف أن هناك فسادًا ثم يسكت عنه، أو يعيد انتخاب من يسرق المال العام، يتحمل جزءًا من المسؤولية.
لذلك أقول لكل اللبنانيين، بكل طوائفهم ومناطقهم وأحزابهم:

حاسبوا من أوصل البلد إلى هنا، ولا تحاسبوا خصمكم السياسي فقط.
لا تخافوا من تهويل الحرب الأهلية
والأخطر من كل ذلك هو استخدام الخوف كسلاح سياسي.
كلما اقتربنا من الحديث عن المحاسبة، يبدأ البعض بتخويف الناس:
"إذا اختلفنا ستقع الحرب الأهلية."
"الجيش سينقسم."
"هذا الحزب سيسيطر على هذه المنطقة."
"وذاك الحزب سيحكم منطقة أخرى."

كفى.

لقد سمع اللبنانيون هذه الأسطوانة عشرات السنين.

التهويل من الحرب والانقسام والطوائف والمناطق لا يجب أن يكون وسيلة لحماية الفاسدين أو لإبقاء منظومة المحاصصة قائمة.

اللبناني يريد دولة تحميه، وقضاءً يحاسِب، وإدارة تعمل، ومدرسة جيدة، ومستشفى محترمًا، وكهرباء وماءً وطرقات، ويريد أن يعيش بكرامة في بلده.

أما أولاد أصحاب النفوذ، فيتعلمون في أهم الجامعات والمدارس، ويتلقون أفضل الخدمات الطبية، ويعيشون في ظروف مختلفة تمامًا عن ظروف المواطن العادي.

الكهرباء في قصورهم ومنازلهم لا تنقطع، وأموالهم محفوظة في أماكن آمنة، بينما المواطن اللبناني إما أن يكون قد خسر مدخراته، أو يواصل دفع الضرائب والرسوم، أو يعيش تحت ضغط الديون والحاجة.

كفى خوفًا... ولتبدأ المحاسبة

نحن لا نريد حربًا أهلية، ولا نريد الانتقام من أحد، ولا نريد استهداف حزب أو طائفة.

نريد شيئًا واحدًا فقط:

دولة تطبق القانون على الجميع.
نريد قضاءً مستقلًا يحاسب الفاسد، أيًا كان اسمه.
نريد أن تكون الكفاءة معيار التوظيف، لا الواسطة.
نريد أن تكون أموال الدولة أموالًا عامة، لا صندوقًا للأحزاب والزعماء.
نريد أن تكون الانتخابات وسيلة لاختيار الأفضل، لا وسيلة لتجديد منظومة المحاصصة.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد:

مين الفاسد؟ الدولة أم الشعب؟

بل أصبح:

متى سنتوقف جميعًا عن حماية الفاسد، ومتى نبدأ بمحاسبته؟

فالفساد لا ينتمي إلى طائفة، ولا إلى منطقة، ولا إلى حزب.

الفاسد فاسد، مهما كان اسمه ومهما كان موقعه.

وإذا أردنا مستقبلًا أفضل لأولادنا، فعلينا أن نبدأ اليوم، لا غدًا.

لأن لبنان لا يحتاج إلى زعيم جديد يحمي الفاسدين، ولا إلى حزب جديد يتقاسم الجبنة.

لبنان يحتاج إلى دولة.


المصدر : Transparency News