الدكتور قاسم السعد 


حين يكون الفخّ الاستراتيجي في هيئة فرصة
في السياسة، لا تأتي الفخاخ دائمًا في صورة تهديدات. أحيانًا تأتي في صورة فرص مغرية، ووعود ضمنية، ومساحات رمادية يقرأها الحاكم كما يريد أن يقرأها، قبل أن يكتشف أن ما اعتبره فرصة لتوسيع نفوذه كان بداية استنزاف دولته.
من هذه الزاوية تحديدًا، تستحق المقارنة بين تجربة صدام حسين عشية غزو الكويت عام 1990، والطريقة التي يتعامل بها أحمد الشرع اليوم مع الضغوط والإغراءات المرتبطة بلبنان وحزب الله، شيئًا من التأمل.
بالطبع، التاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا، وسوريا اليوم ليست عراق 1990، وأحمد الشرع ليس صدام حسين. لكن السياسة الدولية تحتفظ بقاعدة شبه ثابتة: القوى الكبرى لا تطلب من الدول الأخرى خوض الحروب من أجل مصالح تلك الدول، بل من أجل مصالحها هي.
صدام: عندما قرأ الغموض الأميركي كما أراد
من المبالغة التاريخية القول إن الولايات المتحدة أمرت صدام حسين بغزو الكويت أو أعطته موافقة صريحة على ذلك. لكن من الصعب أيضًا تجاهل الغموض الذي أحاط بالموقف الأميركي قبيل الغزو.
في لقاء 25 تموز/يوليو 1990، قبل أيام من اجتياح الكويت، أبلغت السفيرة الأميركية في بغداد، أبريل غلاسبي، صدام حسين أن واشنطن لا تتخذ موقفًا من النزاعات العربية–العربية، ومنها خلافه الحدودي مع الكويت. وفي الوقت نفسه، أظهرت الوثائق الدبلوماسية لاحقًا أن غلاسبي كانت تعتقد أن صدام يريد تسوية سلمية، وأن الإدارة الأميركية لم تتوقع احتلال الكويت بالكامل. (The Washington Post)
ربما لم تمنحه واشنطن «ضوءًا أخضر» بالمعنى الحرفي، لكن صدام قرأ الإشارات الأميركية وفق الحساب الذي كان يريد تصديقه.
وهنا وقع الخطأ الاستراتيجي.
لم يسأل فقط: هل تستطيع قواتي احتلال الكويت؟
كان ينبغي أن يسأل: ماذا سيحدث في اليوم التالي للاحتلال؟
استطاع احتلال الكويت بسرعة، لكنه فتح بذلك الباب أمام تحالف دولي هائل، ثم الحصار والعزلة والاستنزاف الطويل، وصولًا إلى الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وسقوط النظام.
بمعنى آخر، ربح صدام المعركة الأسهل وخسر اللعبة الأكبر.
الشرع أمام إغراء مختلف
بعد أكثر من ثلاثة عقود، تبدو أمام أحمد الشرع معادلة مختلفة، لكنها تحمل شيئًا من المنطق نفسه.
سوريا الجديدة أمام حزب الله ليست أمام خصم مجهول. هناك تاريخ طويل ومعقد بين الطرفين، وحزب الله قاتل إلى جانب نظام بشار الأسد، بينما أصبح النظام الذي كان الحزب يدافع عنه جزءًا من الماضي.
ومن السهل، نظريًا، إغراء القيادة السورية الجديدة بفكرة أن اللحظة مناسبة لتصفية حساب قديم، أو لإعادة رسم ميزان القوى على الحدود، أو لتقديم سوريا الجديدة للولايات المتحدة والغرب باعتبارها شريكًا في مواجهة النفوذ الإيراني.
لكن السؤال الذي يبدو أن دمشق تسأله حتى الآن هو السؤال الأهم:
لماذا يجب على سوريا أن تخوض هذه الحرب؟
ترامب تحدث علنًا في حزيران/يونيو عن اهتمام القيادة السورية بالتحرك ضد حزب الله في لبنان. (Reuters) لكن انتقال سوريا من ضبط حدودها وحماية أمنها إلى دخول الأراضي اللبنانية والانخراط في مهمة نزع سلاح حزب الله يعني شيئًا مختلفًا تمامًا.
يعني أن تتحول سوريا من دولة تحاول إعادة بناء نفسها إلى طرف مباشر في واحدة من أعقد النزاعات في الشرق الأوسط.
تستطيع أن تنتصر عسكريًا وتخسر استراتيجيًا
هذه ربما أهم نقطة في المقارنة.
ليس السؤال ما إذا كان الجيش السوري يستطيع الدخول إلى لبنان، أو ما إذا كان حزب الله أضعف مما كان عليه قبل سنوات.
السؤال الحقيقي هو: ماذا ستربح سوريا من اليوم التالي؟
إذا دخلت القوات السورية لبنان لنزع سلاح حزب الله، فإن واشنطن قد تحقق هدفًا استراتيجيًا، وإسرائيل ستتخلص من جزء كبير من التهديد على جبهتها الشمالية، وخصوم إيران سيحققون مكسبًا إقليميًا كبيرًا.
لكن من سيدفع الثمن على الأرض؟
سوريا.
هي التي ستقدم الجنود، وهي التي ستواجه احتمال حرب استنزاف، وهي التي ستتحمل تداعيات أي انفجار مذهبي، وهي التي ستعيد إلى الذاكرة اللبنانية صورة الجيش السوري داخل لبنان، وهي التي قد تجد نفسها مسؤولة عن أرض لا تستطيع السيطرة عليها سياسيًا بعد السيطرة عليها عسكريًا.
والأخطر أن الدخول في حرب كهذه أسهل بكثير من الخروج منها.
والتطورات الحالية داخل لبنان تؤكد حساسية المسألة؛ فحتى الاتفاقات المدعومة أميركيًا التي تربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله تواجه معضلة أساسية: حزب الله نفسه يرفض نزع سلاحه، فيما يحذر محللون من أن محاولة فرض ذلك بالقوة قد تدفع لبنان نحو صراع داخلي. (Reuters) وفي آب/أغسطس، وصلت النقاشات إلى البحث عن دول يمكن أن تشارك في آلية للتحقق من نزع السلاح، ما يكشف حجم التعقيد الذي تحاول الأطراف المختلفة إيجاد صيغة للتعامل معه. (Reuters)
فلماذا تتطوع دمشق لحمل هذا العبء؟
الفرق بين القوة والذكاء
صدام حسين كان يمتلك جيشًا ضخمًا، وخرج من الحرب العراقية–الإيرانية مقتنعًا بأن العراق أصبح قوة إقليمية كبرى. وربما كانت هذه القوة نفسها جزءًا من المشكلة؛ لأنها جعلته يعتقد أن القدرة العسكرية تعني القدرة السياسية.
لكن الدول لا تسقط دائمًا لأنها ضعيفة.
أحيانًا تسقط لأنها تبالغ في تقدير قوتها، وتسيء تقدير نوايا الآخرين.
الذكاء الاستراتيجي ليس أن تمتلك القدرة على خوض الحرب، بل أن تعرف أي حرب يجب ألا تخوضها.
وهنا قد يكون أحمد الشرع، حتى الآن على الأقل، قد قرأ درس صدام بطريقة مختلفة.
فإذا كان خصوم حزب الله يريدون نزع سلاحه، وإذا كانت إسرائيل تعتبره تهديدًا، وإذا كانت واشنطن تريد إنهاء دوره العسكري، فهذا لا يعني تلقائيًا أن من مصلحة سوريا أن تتحول إلى الجيش الذي ينفذ هذه المهمة نيابة عن الجميع.
يمكن لسوريا أن تضبط حدودها، وتمنع تهريب السلاح، وتحمي مصالحها، وتفاوض واشنطن، وتعيد بناء علاقاتها مع لبنان، من دون أن ترسل جيشها إلى الداخل اللبناني.
وهذا ليس ضعفًا.
قد يكون تحديدًا تعريفًا أكثر نضجًا للقوة.
أخطر العروض هي التي تحقق لك رغبة قديمة
ربما كان لدى صدام حسين أسباب كثيرة للصراع مع الكويت: الديون، وأسعار النفط، والحدود، والادعاءات المتعلقة بحقل الرميلة. لذلك، عندما جاءت الإشارات الدولية ملتبسة، وجد فيها ما يتوافق مع رغبة موجودة أصلًا.
وهذا هو النوع الأخطر من الفخاخ السياسية.
الفخ الناجح لا يجبرك على فعل شيء لا تريده؛ بل يقنعك بأن تفعل شيئًا كنت تريد فعله أصلًا.
وهنا تحديدًا ينبغي قراءة العلاقة بين دمشق الجديدة وحزب الله.
قد تكون لدى القيادة السورية الجديدة حسابات قديمة مع الحزب. وقد ترى فيه امتدادًا لمرحلة إيرانية لعبت دورًا مباشرًا في الحرب السورية. لكن تحويل الحساب السياسي إلى حرب داخل لبنان قد يمنح الآخرين انتصارًا مجانيًا ويترك لسوريا الفاتورة.
الدولة الذكية لا تسأل فقط: من هو عدوي؟
بل تسأل أيضًا:
من المستفيد إذا حاربته الآن؟
هل الشرع أذكى من صدام؟
ربما يكون السؤال نفسه مبكرًا.
لا يمكن الحكم على ذكاء قائد سياسي من قرار واحد، ولا تزال تجربة أحمد الشرع في الحكم في بدايتها، ويمكن أن يرتكب غدًا أخطاء لا تقل خطورة عن أخطاء من سبقوه.
لكن حتى الآن، هناك درس يبدو أنه حاضر:
ليس كل ما تعرضه عليك القوة العظمى فرصة.
وأحيانًا تكون أفضل صفقة هي الصفقة التي ترفضها.
صدام حسين نظر إلى الكويت ورأى فرصة لحل أزماته الاقتصادية وتعزيز موقع العراق الإقليمي. لم يدرك أن الباب الذي سيدخل منه إلى الكويت سيصبح، بعد سنوات، الباب الذي سيدخل منه الآخرون إلى العراق.
أما أحمد الشرع، فإذا استمر في الفصل بين مصلحة سوريا وبين رغبة الآخرين في استخدام سوريا لتصفية حساباتهم في لبنان، فقد يكون قد فهم قاعدة لم يفهمها صدام في اللحظة الحاسمة:
حين تدفعك قوة عظمى إلى حرب تحقق مصالحها، لا تسأل فقط ماذا ستكسب إذا انتصرت؛ اسأل ماذا سيبقى لك بعد الانتصار.
فالذكاء في السياسة ليس أن تعرف متى تقول لأميركا «نعم»، ولا أن تجعل من قول «لا» بطولة بحد ذاتها.
الذكاء الحقيقي هو أن تعرف متى تقول نعم، ومتى تقول لا، وكيف تقول لا من دون أن تتحول أنت نفسك إلى الهدف التالي.