الحرب المدفونة تحت الأرض... مَن يُحاسِب مَن حَفر ومَن فَجّر؟
12-08-2026 10:32 AM GMT+03:00
لا يكفي أن نستيقظ على وقع انفجار جديد في جنوب لبنان، حتى نسارع إلى إحصاء الأضرار في المنازل والحقول والطرقات. فالمشهد، على قسوته، لا يمثل سوى الحلقة الأخيرة من سلسلة بدأت قبل سنوات، يوم تحول باطن الأرض إلى ساحة مواجهة عسكرية. فكما أن إسرائيل تتحمل مسؤولية ما تسببه تفجيراتها من دمار واسع، فإن المسؤولية لا تقل عن تلك التي تقع على عاتق من قرر أساساً حفر الأنفاق العسكرية تحت القرى والأودية والأراضي الزراعية.
إن اختزال القضية في فعل التفجير وحده هو قراءة مبتورة للواقع. فالحقيقة أن الأرض اللبنانية أصبحت ضحية خيارين عسكريين متقابلين: خيار حفر الأنفاق، وخيار نسفها.
علمياً، تؤكد الأبحاث الجيولوجية أن التفجيرات تحت الأرض تختلف جذرياً عن الانفجارات السطحية. فالموجات الزلزالية الناتجة عنها تنتقل عبر الطبقات الصخرية والتربة لمسافات قد تتجاوز موقع الانفجار، مسببة تشققات دقيقة في البنية الجيولوجية، وتغيرات في استقرار التربة، واحتمال حدوث انهيارات موضعية أو هبوط أرضي، ولا سيما في المناطق الكلسية التي يتميز بها جزء كبير من جنوب لبنان. كما أن استخدام كميات كبيرة من المتفجرات يؤدي إلى إطلاق غازات سامة، أبرزها أكاسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون، إضافة إلى الجزيئات الدقيقة PM2.5 وPM10، وهي من أخطر الملوثات الهوائية المرتبطة بارتفاع معدلات أمراض الجهاز التنفسي والقلب، وفقاً لتقارير منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة.
ولا تقف المخاطر عند الهواء. فالانفجارات العميقة قد تؤدي إلى تحرير معادن ثقيلة وبقايا متفجرات مثل مركبات الـTNT والـRDX، وهي مواد ثبت علمياً أنها قد تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية، مؤثرة في جودة المياه والمحاصيل الزراعية، مع بقاء آثارها لسنوات طويلة.
لكن، في المقابل، فإن الأنفاق نفسها ليست مشروعاً بلا كلفة بيئية. فالحفر العسكري العميق يغيّر الخصائص الميكانيكية للتربة، ويقطع أحياناً المسارات الطبيعية للمياه الجوفية، ويخل بالتوازن الهيدرولوجي المحلي، كما أن إزالة آلاف الأمتار المكعبة من الصخور والأتربة ونقلها وطمس معالمها يترك أثراً بيئياً دائماً. وتؤكد الأدبيات الهندسية أن أي شبكة أنفاق واسعة تُنشأ خارج المعايير المدنية والجيوتقنية تشكل عاملاً إضافياً لعدم استقرار الأرض، خصوصاً إذا تعرضت لاحقاً لتفجيرات ضخمة.
ولعل التجارب الدولية تقدم شواهد واضحة على ذلك. ففي البوسنة والهرسك، استغرقت إزالة مخازن الأسلحة والأنفاق العسكرية المدفونة سنوات طويلة بعد انتهاء الحرب، بسبب مخاطر الانهيارات والتلوث الكيميائي. وفي العراق، واجهت السلطات والمنظمات الدولية تحديات كبيرة نتيجة تفجير مستودعات ذخيرة تحت الأرض، حيث رصدت آثاراً بيئية امتدت إلى التربة والمياه. أما في شبه الجزيرة الكورية، فما تزال الأنفاق العسكرية المكتشفة تشكل مصدر قلق جيولوجي وأمني حتى اليوم، رغم مرور عقود على حفرها. كما أن دراسات أُجريت على مناطق الأنفاق العسكرية في فيتنام أظهرت أن التدخلات الواسعة في باطن الأرض تركت آثاراً طويلة الأمد على التربة والغطاء النباتي.
أما قانونياً، فلا يستطيع أي طرف الاحتماء بذريعة الضرورة العسكرية بصورة مطلقة. فالمادة (35) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 تحظر استخدام وسائل وأساليب قتال يُتوقع أن تسبب أضراراً واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة للبيئة الطبيعية. كما تلزم المادة (55) من البروتوكول ذاته أطراف النزاع بحماية البيئة من هذه الأضرار، باعتبارها عنصراً أساسياً لبقاء السكان المدنيين. ويضاف إلى ذلك أن المبادئ التي اعتمدتها لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة بشأن حماية البيئة في النزاعات المسلحة كرست اتجاهاً دولياً متنامياً يعتبر البيئة ضحية مستقلة للحرب، تستوجب الحماية قبل النزاع وأثناءه وبعد انتهائه.
لكن ثمة جانباً آخر لا يقل أهمية. فالقانون الدولي الإنساني يفرض أيضاً على أطراف النزاع تجنب نشر الأهداف العسكرية داخل المناطق المدنية متى كان ذلك يعرض السكان والأعيان المدنية لأخطار العمليات العسكرية. وعندما تتحول قرى مأهولة وأراضٍ زراعية إلى شبكة أنفاق عسكرية، فإن ذلك يضاعف احتمال تعرضها للتدمير، ويجعل المدنيين رهائن لخيارات لا يملكون قرارها.
قد تختلف المواقف السياسية حول شرعية المقاومة أو حول حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، لكن البيئة لا تعترف بالشعارات. فالتربة التي تتشقق، والمياه التي تتلوث، والهواء الذي يمتلئ بالغبار السام، لا يميز بين راية وأخرى. وما يهم اللبناني الذي يعيش في الجنوب ليس من ربح الجولة العسكرية، بل من أعاد أرضه سنوات إلى الوراء.
إن المسؤولية، في نهاية المطاف، ليست أحادية. فإسرائيل تتحمل مسؤولية مباشرة عن سياسة الأرض المحروقة والتفجيرات واسعة النطاق التي تتجاوز في كثير من الأحيان مقتضيات التناسب العسكري. وفي المقابل، يتحمل حزب الله مسؤولية تحويل باطن الأرض إلى بنية عسكرية تجعل الجنوب بأكمله مشروع ساحة حرب دائمة. وبين من حفر ومن فجّر، يبقى لبنان هو الضحية، وتبقى البيئة اللبنانية هي الخاسر الأكبر.
فالحقيقة التي يجب ألا تغيب وسط الضجيج السياسي هي أن الكارثة لم تبدأ عندما دوّى الانفجار، بل عندما دوّى أول معول في باطن الأرض. وما لم يُعترف بهذه الحقيقة، فإن إعادة إعمار الجنوب لن تكون سوى ترميم للسطح، فيما ستبقى الحرب مدفونة تحت التراب، تنتظر انفجاراً جديداً.








