جورج بولس


ليس أصعب على الطفل من أن يستيقظ ذات صباح ليكتشف أن البيت الذي كان يظنه وطنًا صغيرًا قد انقسم إلى نصفين، وأن اليدين اللتين كانتا تمسكان بيده معًا، أصبحت كل واحدة منهما تشدّه إلى جهة. في تلك اللحظة لا يفهم الطفل معنى الطلاق، ولا يعرف نصوص القوانين، ولا يميّز بين المخطئ والمصيب؛ إنه يشعر فقط بأن شيئًا عزيزًا قد انكسر في داخله.

فالطلاق لا يبدأ يوم يصدر الحكم في المحكمة، بل يبدأ حين يغيب الحوار، وتحلّ القسوة محلّ المودة، ويصبح الصمت لغةً يومية داخل البيت. وقد يعيش بعض الأطفال سنواتٍ طويلة وسط "طلاقٍ صامت"، يرى فيه الأب والأم تحت سقفٍ واحد، لكنهما غريبان أحدهما عن الآخر. وهذا النوع من الطلاق قد يكون أشد إيلامًا من الانفصال نفسه.

إن الطفل لا يحتاج إلى بيتٍ فخم، ولا إلى ألعابٍ باهظة الثمن، بقدر حاجته إلى دفءٍ عائلي يشعره بالأمان. فهو يبني شخصيته من نظرة أبيه، ويستمدّ حنانه من حضن أمه، ويتعلم معنى الحب من طريقة تعاملهما معًا. فإذا تحولت الأسرة إلى ساحة نزاع، اهتزّ عالمُهُ كلُّه، وفقد ثقته بمن حوله، وربما حمل آثار تلك التجربة إلى شبابه وزواجه ومستقبله.

ولعلَّ أخطر ما في الأمر أن بعض الأزواج ينسون أبناءهم أثناء الخلاف، فيحوّلونهم إلى رسائلَ متبادلة، أو إلى شهودٍ على نزاعات الكبار، أو إلى وسيلةٍ للضغط والانتقام. عندها يصبح الطفلُ ضحية مرتين: مرة لأنه فقد استقرار أسرته، ومرة لأنه فقد حقَّه في أن يبقى بعيدًا عن صراعات لا ذنب له فيها.

ولا يمكن إنكار أن وسائل التواصل الاجتماعي زادت من تعقيد المشهد. فقد دخل الهاتف إلى غرفة النوم، وجلس على مائدة الطعام، وسرَق كثيرًا من أوقات الحوار بين الزوجين. وأصبح الإنسانُ يعرف أخبار الغُرَباء أكثر مما يعرف ما يدور في قلب شريك حياته. ومع ذلك، فإن التكنولوجيا ليست هي التي تَهدم الأسرة، بل تكشف ضعفَها إن كان موجودًا. فالأسرة التي تقوم على الثِّقة والصُّدق والاحترام تستطيع أن تجعل الهاتف وسيلة تواصل، لا وسيلة فراق.

إن بناء الأسرة يبدأ قبل الزواج، لا بعده. يبدأ حين يتعلَّم الشاب والفتاة أن الزواج مسؤوليةٌ قبل أن يكون عاطفة، وأن الحُبَّ ليس كلماتٍ جميلة تُقال في أيام الخطوبة، بل هو صبرٌ عند الخِلاف، واحترامٌ عند الاختلاف، وتَضحيةٌٌ في سبيل استمرار البيت. فليس كلُّ من أحبّ صار زوجًا ناجحًا، وليس كلُّ من تزوّجَ أصبح أبًا أو أمًا قادرين على تربية جيل.

ولا شكَّ أن بعضَ حالات الطَّلاق تُصبحُ الحلَّ الوحيد عندما تستحيل الحياة المشتركة، أو يتحوَّل البيتُ إلى مكانٍ للعنف والإهانة وفقدان الكرامة. فليس المقصود الدعوة إلى استمرار زواجٍ مريض مهما كان الثمن، بل الدعوة إلى بذل كل جهد مُمكن للإصلاح قبل الوصول إلى لحظة الانفصال، وإلى حماية الأطفال من أن يكونوا الخاسرَ الأكبر في معركة لم يختاروها.

إن الطفل لا يطلب الكثير من الحياة؛ إنه يريد أن يرى والديه يحترمان بعضَهما، وإن اختلفا، وأن يشعر بأن الحبَّ لا يزال يسكن البيت، ولو تبدَّلت الظروف. فكلُّ كلمة قاسية يسمعها، وكلُّ مَشهدِ خِصام يراه، يترك في قلبه نُدبةً قد لا يمحوها الزمن.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يُؤَرِّقَ كلَّ مجتمع: ماذا نريد أن نُورِّث أبناءنا؟ بيوتًا مُتصَدِّعة، أم أُسَرًا تعرف أن الاختلاف سُنَّةٌ من سنن الحياة، وأن الحوار أقوى من الغضب، وأن التسامح أوسع من الكبرياء؟

فالأسرة ليست مُجرَّد مؤسسة اجتماعية، بل هي المدرسة الأولى التي يَتعلَّم فيها الإنسان معنى الرَّحمة. وإذا انهارت هذه المدرسة، فلن تستطيع كلُّ مدارس الدنيا أن تعوّض الطِّفلَ ما فقدَه من دفءٍ وطمأنينة. لذلك، فإن حماية الأسرة ليست مسؤولية الزوجين وحدهما، بل مسؤولية المجتمع كله، لأن الطفل الذي نحميه اليوم هو المواطن الذي سيبني الوطن غدًا.


المصدر : Transparency News