صرخة الأب طوني خضرا... هل من يسمع قبل فوات الأوان؟
16-08-2026 01:20 PM GMT+03:00
ليست صرخة الأب طوني خضرا، مؤسس «لابورا»، صرخةً في وجه طائفة أو جماعة، ولا دعوةً إلى الانغلاق أو العداء، بل هي صرخة تحذير في وجه واقع يتفاقم، وفي وجه قيادات مسيحية تبدو، في كثير من الأحيان، غارقة في خلافاتها وحساباتها السياسية والشخصية، فيما مجتمعها يستنزف بصمت.
لبنان بلد طائفي، بل مذهبي، وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها. وكل مكوّن لبناني من حقه أن يحافظ على وجوده وخصوصيته ومصالح بيئته، شرط أن يتم ذلك في إطار الدولة والقانون والشراكة الوطنية. فلماذا يصبح الدفاع عن الوجود والحقوق، عندما يصدر عن المسيحيين، تهمةً بالطائفية أو العنصرية أو التطرف؟
المشكلة ليست في أن يدافع المسيحيون عن وجودهم، بل في أن يتحول هذا الدفاع إلى مجرد خطابات ومواقف موسمية على الشاشات، فيما الواقع على الأرض يقول شيئًا آخر: شباب يهاجرون، قرى تفرغ، بيوت تغلق، أراضٍ تعرض للبيع، وممتلكات تنتقل من أيدي أهلها إلى آخرين، فتتغير تدريجيًا ملامح بعض المناطق وهويتها الاجتماعية.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة الصرخة.
فالقضية المسيحية في لبنان ليست معركة مقاعد وزارية أو نيابية، وليست صراعًا على الأحجام والحصص فقط. القضية أعمق من ذلك بكثير: هل يبقى المسيحيون متجذرين في أرضهم وقراهم ومؤسساتهم، أم يتحول وجودهم تدريجيًا إلى مجرد حضور سياسي من دون مجتمع حيّ على الأرض؟
والمؤلم أن الأحزاب والقوى المسيحية تعرف هذه المخاطر، لكنها كثيرًا ما تستهلك طاقتها في التراشق والاتهامات وتبادل المسؤوليات، وكأن الخطر الحقيقي هو الخصم المسيحي الآخر، لا الهجرة والفقر وبيع الأرض وتراجع فرص العمل وتفريغ القرى.
أما الكنيسة والمؤسسات الدينية، فمسؤوليتها لا تقل أهمية. فالمطلوب اليوم ليس فقط عظات عن التمسك بالأرض، بل مشاريع حقيقية تساعد الناس على البقاء فيها: دعم الشباب، تشجيع الاستثمار في القرى، حماية الملكية، مساعدة العائلات المحتاجة، خلق فرص عمل، ومواجهة ظاهرة بيع البيوت والأراضي بمعالجات عملية ومدروسة، لا بمواقف عاطفية عابرة.
لقد آن الأوان لأن تنتقل القضية من الشاشات إلى الأرض.
فمن يريد حماية الوجود المسيحي فليذهب إلى القرى الفارغة، وليتفقد البيوت المقفلة، وليعرف لماذا يهاجر الشباب، ولماذا يبيع الناس أراضيهم، وماذا يمكن فعله لإبقائهم. وليكن السؤال الحقيقي: ماذا فعلنا كي يبقى الإنسان في أرضه، لا كم مرة تحدثنا عن ضرورة بقائه؟
إن حماية الوجود المسيحي لا تكون بالخوف من الآخر ولا بإقصائه، بل ببناء مجتمع مسيحي قوي، منتج، متجذر، ومتمسك بأرضه، وقادر في الوقت نفسه على العيش مع شركائه في الوطن ضمن دولة عادلة تحمي الجميع.
ولذلك، فإن صرخة الأب خضرا تستحق أن تُسمع بعيدًا عن الحسابات الحزبية والشخصية: توقفوا عن الصراع على ما تبقى، وابدأوا العمل للحفاظ على ما يمكن إنقاذه.
فالقرى لا تنتظر المؤتمرات، والأرض لا تنتظر البيانات، والشباب لا ينتظرون الخطب.
إن لم يتحرك المسؤولون السياسيون والكنيسة والمؤسسات المسيحية اليوم، فقد يأتي يوم لا تنفع فيه كل الخطب والصرخات، لأن ما يُفقد من الأرض والمجتمع والإنسان لا يُستعاد بسهولة.
فهل من يسمع؟ وهل من يتحرك قبل فوات الأوان؟
المصدر : Transparency News








