دموع السفير ميشال عيسى
17-08-2026 09:50 PM GMT+03:00
ليست كلّ الدموع ضعفًا، فبعض الدموع وطنٌ كامل يختصر في قطرة، وبعضها الآخر صلاة صامتة من قلبٍ موجوع على مذبح لبنان.
دموع السفير ميشال عيسى كانت دموعًا لبنانية صافية، تفجّرت من وجدان رجلٍ حمل لبنان في قلبه، وعاش خيراته وتنفس هواءه وشرب من مائه، ولم يبخل عليه يومًا بمحبة أو وفاء. إنها دموع من عرف لبنان يوم كان واحةً للجمال، وجنةً تتعانق فيها الجبال والسهول والبحر، ويعيش أهلها على أرضٍ تشبههم: طيبةً، كريمةً، ومفتوحةً للحياة.
بكى ميشال عيسى لأن لبنان الذي أحبّه لم يعد يشبه لبنان الذي عرفه. بكى حين رأى وطنه يُنتزع من أهله، ويتحوّل إلى ساحةٍ لصراعات الآخرين، فيما أبناؤه يتفرجون، وحراسه غارقون في خلافاتهم، كأن الوطن لا يعنيهم.
بكى حين رأى شعبًا يدفع من أمنه وكرامته ومستقبله ثمنًا لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل؛ ورأى قرىً تنحني تحت ثقل الخراب، وحقولًا أنهكها الإهمال، وطرقاتٍ أثقلها الركام، وأحلامًا لبنانيةً تُحرق قبل أن تجد طريقها إلى النور.
لكن دموعه لم تكن دموع اليأس، بل دموع الرجاء. وكأنها تقول لكل لبناني: لا تتركوا لبنان يموت أمام أعينكم. لا تجعلوا خلافاتكم أكبر من وطنكم، ولا تسمحوا لليأس أن يسرق منكم ما تبقّى من إيمان بهذا البلد.
فهل تكفي دموع ميشال عيسى لتروي تراب لبنان العطشان؟
ربما لا تكفي دموع رجلٍ واحد، مهما كان صدقها ونبلها. لكنّها قد توقظ فينا دموعًا أخرى، وضمائر أخرى، وإراداتٍ أخرى.
فلبنان لا يحتاج إلى البكاء عليه بقدر ما يحتاج إلى من يعمل من أجله، ويحمي أرضه، ويصون إنسانه، ويضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الشخصية والطائفية والحسابات الضيقة.
ولعلّ دموع ميشال عيسى تكون بداية المطر بعد طول جفاف، فتروي أرض لبنان، وتغسل عنها غبار الحروب والانقسامات، وتعيد إلى حقولها اخضرارها، وإلى قراها فرحها، وإلى شوارعها أمانها، وإلى أبنائها إيمانهم بأن هذا الوطن، مهما أتعبته المحن، قادرٌ على أن ينهض من بين الركام.
المصدر : Transparency News








