جبران باسيل وشماعة "الماضي": هل يُحرم من حقه في المعارضة؟
23-08-2026 09:13 AM GMT+03:00
يسارع بعض الخصوم السياسيين، مع كل موقف أو نقد يطرحه رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، إلى استدعاء "دفاتر الماضي" وإغلاق باب النقاش في الحاضر، وكأن مشاركة أي طرف في سلطة سابقة تُسقط عنه حقه السياسي والدستوري في تصويب الأخطاء أو الاعتراض على قرارات واهية. هذا الأسلوب لا يستهدف تقييم الخيارات المطروحة، بل يسعى لتجريد المعارضة من شرعيتها وإبقاء البلاد رهينة النهج نفسه.
في أكثر الأنظمة الديمقراطية عراقة، يُعدّ التداول على السلطة قاعدة مكرّسة؛ فمن البديهي أن تكون في موقع الحكم يوماً لتنفّذ رؤيتك وفق موازين القوى المتاحة، وأن تنتقل إلى موقع المعارضة يوماً آخر لتمارس الرقابة وتصوّب المسار. غير أن البعض في لبنان يريد ابتكار استثناء عجيب، مفاده أن من شارك في الإدارة يوماً يُحرم للأبد من حق النقد والمحاسبة! هذا التقدير القاصر يُفرغ العمل الديمقراطي من جوهره، ويحول المعارضة إلى بدعة لا يحق لممارستها إلا من بقي خارج المؤسسات.
حين ينتقد باسيل خطة كهرباء تتضمن ثغرات جوهرية، أو يرفض قانون عفو يُفرغ منظومة العدالة من مضمونها، فهو لا يقدم نفسه كشخص هبط توّاً من كوكب آخر، بل يمارس واجبه الطبيعي كرئيس لتكتل نيابي يمثل شريحة واسعة من اللبنانيين. إن صحة الملاحظات التقنية والقانونية مطروحة لذاتها؛ فالخطأ لا يصبح صواباً لمجرد أن من ينبه إليه كان في موقع المسؤولية يوماً، والحديث عن "ذاكرة الناس" يتطلب احترام هذه الذاكرة بكامل مجرياتها، لا اقتطاع الجزء الذي يخدم السردية المطلوبة.
إن الذاكرة الوطنية الحقيقية تعرف تماماً من وضع خطة متكاملة للكهرباء وحصل على موافقة مجلس الوزراء بالإجماع، وتعرف بالتوازي من عرقل التمويل، ومنع إنشاء المعامل، وحارب الهيئة الناظمة لحماية كارتيلات المولدات ونهب الخزينة. كما تتذكر الذاكرة ذاتها من خاض معركة "التدقيق الجنائي" في حسابات مصرف لبنان واستقلالية القضاء لسنوات طويلة من داخل السلطة وخارجها، في مواجهة منظومة مالية وسياسية عميقة تجذرت منذ عقود.
إن محاولة تصوير الانتقال إلى موقع المعارضة كأنهـا "محو للتاريخ" هي حيلة سياسية مكشوفة لإلغاء الرقابة وتمرير التسويات الضارة تحت شماعة "مسؤولية الأمس". فالمحاسبة ليست ملكية حصرية لفريق دون آخر، والمسؤولية الوطنية تتطلب تقييم الخطط والقرارات بميزان المصلحة العامة للحاضر والمستقبل، لا بميزان العرقلة وتصفية الحسابات. ومن يريد منع النقد البنّاء بحجة الماضي، إنما يساهم عمداً في تبرير السياسات التي أوردت البلاد موارد الانهيار؛ ولعلّ أصحاب هذه الذاكرة الانتقائية تنطبق عليهم تماماً الآية الإنجيلية: "لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها؟"
المصدر : Transparency News








