رلى خالد


لم يكن ما حدث أمس، من توزيع مناشير في عدد من بلدات منطقة جزين، مجرّد حدث عابر أو تعبيرًا عاديًا عن رأي، كما حاول البعض الإيحاء. فحرية الرأي والتعبير حقّ مصون، لكنها لا يمكن أن تكون غطاءً للتحريض أو لإثارة الانقسامات بين أبناء المنطقة الواحدة، ولا أن تتحوّل إلى ذريعة لاستخدام أساليب غامضة ومريبة تحت جنح الليل لإشعال الفتن ودقّ إسفين التفرقة بين الناس.

والأخطر من ذلك أنّ بعض الجهات التي تتبنّى اليوم خطابًا من هذا النوع تبدو وكأنها تستعيد أساليب من حقبة أمنية سوداء عرفها اللبنانيون جيدًا، وهي أساليب تقوم على التخويف والتضليل وشحن النفوس بدل الاحتكام إلى الدولة والقانون والمؤسسات.

وبحسب المعطيات المتداولة، لم يكن توزيع المناشير تحرّكًا عفويًا، بل جرى الإعداد له مسبقًا وتنظيمه في عدد من بلدات القضاء، فيما تضمّن أحد المناشير خطابًا حادًا في عدائه لـ«القوات اللبنانية»، ونوابها، من دون أيّ اعتبار، كما يبدو، لتداعيات هذا الخطاب على السلم الأهلي وراحة أبناء المنطقة وأمنهم.
وقد لفت مواكبة هذا التحرك المشبوه على الأرض مع تحريض علني تولاه أحد الأبواق المعروفة، لاستكمال عملية التحريض!

وفي خضم هذه الوقائع، برز تحرّك النائب سعيد الأسمر، الذي أعلن متابعة القضية وتزويد الأجهزة الأمنية بما توافر لديه من معلومات حول المشاركين فيها، الأمر الذي ساهم في كشف ملابسات التحرّك وتحديد عدد من المعنيين به، وفق ما أُعلن.

وبعد انكشاف القضية، انتقل الخطاب لدى بعض المتابعين إلى وضع ما جرى في إطار «حرية الرأي والتعبير»، في محاولة لتقديم التحرّك بوصفه موقفًا سياسيًا مشروعًا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل تكون حرية التعبير في توزيع منشورات تحريضية، بعيدًا عن أي إطار معلن ومسؤول، ثم تتحول بعد انكشاف الأمر إلى شعار يُرفع لحماية من نفّذوا التحرّك؟

إنّ الدولة لا تُبنى بمنطق الفتنة، ولا بحملات التخويف والتحريض، ولا بمحاولات استعادة أساليب الماضي التي دفعت البلاد وأهلها أثمانًا باهظة. وإذا كان هناك من يختلف سياسيًا مع «القوات اللبنانية» أو مع أي طرف آخر، فالأبواب مفتوحة للتعبير عن هذا الاختلاف بالوسائل السياسية والإعلامية والقانونية المشروعة، لا عبر أساليب من شأنها تعميق الانقسام داخل المجتمع.

لقد ولّى زمن الترهيب والتضليل، وأصبح الرأي العام أكثر قدرة على التمييز بين المعارضة السياسية المشروعة وبين التحريض الذي يهدد السلم الأهلي. وأي محاولة لإعادة إنتاج تلك الأساليب لن تؤدي إلاّ إلى مزيد من الانكشاف أمام الناس، وإلى مزيد من الإصرار على حماية منطق الدولة والمؤسسات.

ويبقى السؤال الأخير برسم الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المعنية في منطقة جزين:

إذا كان توزيع المناشير قد بدأ فجرًا في عدد من بلدات القضاء، وإذا كانت السيارة المستخدمة في التحرّك قد رُصدت، وفق المعلومات المتداولة، منذ ساعات الصباح وفي أكثر من موقع، فهل لم تصل إلى الأجهزة الأمنية أيّ معلومات أو بلاغات عن هذا التحرّك قبل التدخل السياسي والإعلامي لكشف ملابساته؟

أليس من المفترض أن تكون الأجهزة المعنية هي الجهة التي ترصد مثل هذه التحركات وتتحقق منها، لا أن تنتظر من السياسيين أو المواطنين تزويدها بالمعلومات الأساسية عن تحرّك يجري في منطقة تقع ضمن مسؤوليتها الأمنية؟

السؤال ليس موجّهًا ضدّ الدولة، بل هو في صلب المطالبة بقيام الدولة: حماية الناس، منع الفتنة قبل وقوعها، تطبيق القانون على الجميع، وضمان أن تبقى حرية التعبير حقًا سياسيًا وإعلاميًا مشروعًا، لا ستارًا لأيّ محاولة لضرب الاستقرار أو التحريض بين أبناء المنطقة الواحدة.


المصدر : Transparency News