الريال ينهار... هل تقترب إيران من موجة احتجاجات؟
27-08-2026 04:23 PM GMT+03:00
وجاء التحذير الأوضح من قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان، الذي قال إن «العدو يسعى إلى إثارة الفوضى في مكان ما من البلاد أو في جميع أنحاء البلاد»، مشيراً إلى المعيشة والوقود والاقتصاد والبطالة باعتبارها ملفات يمكن استغلالها لإشعال التوتر الداخلي.
وخلال اجتماع مع قيادات أمنية، دعا رادان إلى التخطيط والاستعداد وعدم الوقوع في «الإهمال»، في موقف يعكس حجم الاهتمام الرسمي بتداعيات الأزمة الاقتصادية على الاستقرار الداخلي.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت يواصل الريال الإيراني تراجعه الحاد، إذ فقد أكثر من نصف قيمته خلال عام، ووصل في السوق الحرة إلى نحو 2.02 مليون ريال مقابل الدولار، في مستوى قياسي جديد، وفق وكالة «أسوشيتد برس».
ولا يتوقف تأثير انهيار العملة عند أسواق الصرف، بل ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والإيجارات والنقل. ووفق أحدث بيانات مركز الإحصاء الإيراني، بلغ التضخم السنوي 53.7 في المئة، فيما تجاوز تضخم الغذاء 115 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وسجلت أسعار الدجاج واللحوم ارتفاعاً بنحو 45 في المئة منذ شباط، فيما ارتفع سعر الأرز 31 في المئة والبيض نحو 60 في المئة، بحسب «أسوشيتد برس». وبينما لا تشهد الأسواق نقصاً شاملاً في السلع، تتراجع القدرة الشرائية بصورة حادة، ما يدفع بعض الإيرانيين إلى شراء احتياجاتهم بالدين أو الاكتفاء بالضروريات.
البنزين... ملف قابل للاشتعال
ويعود ملف الوقود إلى واجهة المشهد، مع تسجيل طوابير طويلة أمام محطات البنزين في طهران، وصل الانتظار في بعضها إلى ساعتين، وسط مخاوف من نقص الإمدادات أو تقليص الدعم ورفع الأسعار.
ودفعت هذه المخاوف بعض الإيرانيين إلى تخزين الوقود والمواد الغذائية، بالتزامن مع تقارير عن نقص متقطع في الأرز وزيت الطهي، رغم تأكيد السلطات أن مخزون السلع الأساسية كافٍ.
وتحمل أسعار البنزين حساسية سياسية واجتماعية خاصة في إيران، بعدما أدى رفعها بصورة مفاجئة في تشرين الثاني 2019 إلى اندلاع احتجاجات واسعة امتدت إلى عشرات المدن وقوبلت بحملة أمنية دامية. كما شكل تدهور العملة وارتفاع الأسعار أحد أبرز عوامل الاحتجاجات التي شهدتها البلاد مطلع عام 2026.
وفي هذا السياق، حذر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من معالجة أزمة البنزين بطريقة تزيد الغضب الشعبي، داعياً إلى أن تحقق إجراءات خفض الاستهلاك «أكبر قدر من العدالة وأقل قدر من الاستياء»، مع ضرورة شرح أي قرارات للرأي العام قبل تنفيذها.
احتجاجات محدودة... لكن لافتة
وبالتوازي مع الأزمة الاقتصادية، عادت تحركات مهنية محدودة إلى الظهور بعد تراجعها خلال الحرب، مع احتجاج عمال ومتقاعدين ومعلمين على انخفاض الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة وتأخر المستحقات، وفق ما أوردته «وول ستريت جورنال».
وفي عسلويه، مركز صناعة الطاقة الإيرانية، تحرك عمال في منشآت النفط والغاز للمطالبة بتحسين الأجور والمساعدة في تحمل أعباء السكن. كما احتج نحو 100 عامل بعد تسريحهم من مجمع شادغان للصلب، فيما شهد قطاع البتروكيماويات في بندر ماهشهر تحركاً مماثلاً.
ولا تزال هذه التحركات محلية ومحدودة، وتتركز مطالبها على الأجور والتسريح والتأمين والمعاشات، من دون مؤشرات موثوقة على وجود تنسيق وطني بينها أو تحولها إلى حركة سياسية موحدة.
لكن أهمية هذه التحركات تكمن في القطاعات المشاركة فيها، ولا سيما النفط والغاز والبتروكيماويات والاتصالات والتعليم والمتقاعدون، وهي قطاعات يمكن لتحركاتها المتزامنة أن تنقل أزمة المعيشة من احتجاجات مطلبية متفرقة إلى ضغط اجتماعي أوسع.
القلق يصل إلى أعلى هرم السلطة
ولا يقتصر التحذير من الاضطرابات على المؤسسة الأمنية، إذ قال الرئيس مسعود بزشكيان إن خصوم إيران لم يعودوا يعتمدون على الوسائل العسكرية وحدها، بل يسعون إلى استغلال الانقسامات الداخلية، داعياً المسؤولين إلى التركيز على ملفات المعيشة والتوظيف والسكن والعلاج.
بدوره، دعا قاليباف إلى تجنب القرارات التي تزيد الاستياء العام، محذراً من أن خصوم إيران ينتظرون فرصة للجمع بين الضغوط الاقتصادية والاضطرابات الداخلية.
وتشير هذه التصريحات الصادرة عن الرئاسة والبرلمان والمؤسسة الأمنية إلى تقاطع واضح في تقدير مخاطر الأزمة الاقتصادية، حتى مع إصرار المسؤولين الإيرانيين على تحميل القوى الخارجية مسؤولية تأجيج التوتر.
فالضغوط الاقتصادية والعقوبات لا تتحول بالضرورة إلى احتجاجات واسعة، لكن استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة وتفاقم أزمة الوظائف والوقود يمكن أن يوفر بيئة خصبة لاحتجاجات يصعب توقع حجمها أو مسارها إذا اتسعت.
ورغم وجود عوامل تحد من احتمال اندلاع موجة واسعة، أبرزها القبضة الأمنية وغياب قيادة موحدة وتشتت المطالب والخشية من تكرار حملات القمع السابقة، فإن لهجة التحذيرات الرسمية تبدو أكثر وضوحاً.
وفي المحصلة، لا يعني الاستنفار الأمني أن «الانفجار» بات وشيكاً، لكنه يكشف أن احتمال انتقال الضغط الاقتصادي إلى الشارع لم يعد مجرد سيناريو يطرحه مراقبون من الخارج، بل أصبح هاجساً حاضراً في حسابات السلطة الإيرانية.
المصدر : وكالات








