قانون المصارف في بيروت: ضجيج «الانتصار» وحقيقة النص
27-08-2026 07:56 PM GMT+03:00
من يتفاوض فعلاً مع صندوق النقد؟
القول إن «الحكومة» تفاوض صندوق النقد حول هذه القوانين غير دقيق. فالتفاوض الفعلي يجري في وزارة المالية ومجموعة صغيرة من مستشاريها، التي تعيد صياغة مطالب الصندوق بما يناسب السياق اللبناني، وتضيف إليها حسابات طائفية وسياسية محلية، قبل أن تُحال النتيجة إلى لجنة المال والموازنة. أما مصرف لبنان، فقد أبقاه الصندوق عمداً بعيداً عن هذه المفاوضات التشريعية.
حكومة تُدار من طرف واحد
الخرافة الثانية هي أن الحكومة، كهيئة جماعية، صاغت هذا القانون ودافعت عنه. فمعظم الوزراء لم تُتح لهم فرصة حقيقية للتأثير في مضمونه، إذ تولّت وزارة المالية التواصل المباشر مع الصندوق، ولم تترك مهل التفاوض هامشاً كافياً للنقاش أو التعديل. ورئيس الحكومة ترك بدوره الملف التقني بالكامل لوزارة المالية، التي باتت تتصرف كقطب تنفيذي ثالث إلى جانب رئاستي الجمهورية والحكومة.
ماذا أقرّ المجلس فعلاً؟
خلافاً للرواية الاحتفالية، أقرّ النواب تعديلات جوهرية طرحتها لجنة المال والموازنة. فقد حُذفت الإشارات إلى تعاميم كان يمكن للهيئة المصرفية العليا أن تفرضها على مصرف لبنان، حفاظاً على توزيع الصلاحيات التنظيمية داخل المصرف المركزي. كما أُدرج تعريف أدق لـ«السيطرة الفعلية»، بما يمنع استبعاد المساهمين تلقائياً من إعادة رسملة مصارفهم لمجرد ملكيتهم أسهماً فيها؛ فالمعيار هو ممارسة إدارة فعلية أدت إلى التعثر، لا مجرد الملكية. الملكية ليست إدارة، والمساهمة ليست إدانة.
المادة الثالثة: العقدة الحقيقية
مادة واحدة تعرّضت فعلاً لتعديل جذري: المادة الثالثة، المتعلقة بعلاقة القانون الجديد بقانون النقد والتسليف. أرادت لجنة المال والموازنة الإبقاء على إشارة صريحة إلى المادة 70 من ذلك القانون. وكانت هذه الصيغة نتاج تسوية شارك فيها رئيس الحكومة نفسه، ووافق عليها مصرف لبنان ووزير المالية - ظاهرياً على الأقل. فما إن وصل النص إلى المجلس حتى قاد وزير المالية الاعتراض عليه، منضماً إلى حزب الله ومجموعة من النواب المستقلين المعروفين بعدائهم الثابت لمصرف لبنان، في تحالف يصعب تفسيره أيديولوجياً لكنه يعكس واقعية المصالح السياسية اللبنانية.
ثغرة دستورية لم ينتبه إليها أحد
وراء هذا التجاذب السياسي تكمن مشكلة أكثر جدية. فالمادة الثالثة كانت جزءاً من منظومة قانونية خضعت للرقابة الدستورية عام 2025. وقطع صلتها بقانون النقد والتسليف يتركها مادة معزولة عن القانون الأم الذي ينظّم صلاحيات المؤسسة نفسها، وهو ما يفتح الباب أمام طعن دستوري يمكن أن يتقدم به عشرة نواب، يقتصر على هذه المادة وحدها. والأخطر أن مراجعة أولية للمداولات تشير إلى أن الصيغة الأصلية للمادة، كما قدمتها الحكومة، ربما لم تُطرح للتصويت أصلاً بعد سقوط صيغة اللجنة - وهو ما قد يعني، إذا تأكد بالمحضر الرسمي، أن المادة لم تُقرّ دستورياً بصيغتها النهائية المزعومة. النتيجة المحتملة: إعادة التصويت، أو العودة إلى النص الذي سبق أن أقرّته الرقابة الدستورية، أو طعن يعيد فتح الملف بأكمله.
لا يعني هذا أن قانون إعادة هيكلة المصارف غير مهم، فهو خطوة ضرورية نحو نظام مصرفي أنهكته سنوات من الخسائر والشلل المؤسساتي. لكن الإصلاح لا يُقاس بالبيانات الصحافية ولا بعبارات «الإنجاز التاريخي»، بل باتساق النص ودستوريته وقابليته للتطبيق. وقبل الاحتفال بالنتيجة، يستحق الأمر التحقق أولاً من أن المادة موضع الاحتفال قد أُقرّت فعلاً
المصدر : Transparency News








