ردّ يوسف الخوري، في منشور عبر حسابه على «فيسبوك»، على الشكوى القضائية التي تقدّم بها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بحقه، على خلفية اتهامه بـ«الإساءة إلى واقعة كربلاء وشهادة الإمام الحسين وأصحابه».


وكتب: رفعتم عليّ دعوى باسم الحسين؟ فلنفتح ملفكم باسمه...
تقدّم المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بشكوى قضائية ضدي بتهمة "الإساءة إلى واقعة كربلاء وشهادة الإمام الحسين وأصحابه."
 
أنا سمعت بالتواتر بهذه الدعوى، ولم أتبلّغها رسميًا بعد. لكن بما أن مجلس علي الخطيب أشاع دعواه ضدي في الإعلام، فلنفتح إذًا ملف كربلاء؛ ولكن ليس بالشعارات والرايات واللطميّات، بل باستحضار الحسين نفسه أمامنا، ولنطرح السؤال الذي يبدو أن المجلس لا يريد طرحه:
مَن منّا أهان الحسين؟
 
أنا قلت إن نعيم قاسم، عندما يهدّد بخوض "معركة كربلائية"، إنّما يدعو إلى مواجهة أراها خاسرة. فالذهاب عمدًا إلى معركة تعرف أن شعبك سيدفع ثمنها، ولا تملك فيها مقوّمات الانتصار، هو، في قراءتي السياسية والعسكرية، انتحار.
إذًا، بادئَ ذي بدءٍ، أنا تكلمتُ عن معركة تاريخية فشلت عسكريًّا، اسمها كربلاء، وموت الحسين بن علي مرتبط بها. وأنا لم أشتم الحسين، ولم أتعرّض إلى العقيدة الدينية التي عظّمت واقعة كربلاء حتى جعلتها فوق أي قراءة تاريخية نقدية، وإنّما اعترضت على استدعاء كربلاء لتبرير حرب جديدة على لبنان.
 
فإذا أردتم أن تجعلوا من ذلك جريمة، تعالوا أولًا نتحدث عن الحسين.
الحسين الذي نقرأ عنه وتبكونه كل عام، لو كان بيننا اليوم... نصيرُ مَن كان سيكون؟
الحسين الذي تحمّل مسؤولية قراراته بنفسه، وبقي في الميدان مع رجاله حتى دفع حياته ثمنًا لموقفه، هل كان سيقبل بأمين عام يرسل أبناء الناس إلى الجبهات فيما هو محصّن في نفق، بعيدًا عنهم؟
 
الحسين الذي دفع من دمه ودم أهل بيته ثمن خياره في كربلاء، هل كان سيطلب من الأمهات أن يقدّمن أبناءهن للموت فداءً لمشروع سياسي، ثم يرغمهن على أن يسمين الفاجعة عرسًا؟
الحسين كان في مقدمة الذين دفعوا الثمن، لا في مؤخرة الذين يطلبون من الآخرين دفعه.
والحسين الذي تروي المراجع أنه سقى خصومه وخيولهم عندما وصلوا إليه عطاشى، هل كان سيرذل الشيعة اللبنانيين الذين تهجّروا من الجنوب وخسروا بيوتهم وأرزاقهم، كما فعل علي الخطيب؟
 
ثم نصل إلى السؤال الذي يوجع أكثر:
الحسين، لو عاش في لبنان، لمن كان سيكون ولاؤه؟
للأرض التي احتضنته وللناس الذين عاش بينهم، أم كان سيضع قراره في خدمة وليٍّ خارج الحدود؟
وهل كان الحسين يحتاج أصلًا إلى أن يقول للناس إنه حسين، أم أن أفعاله كانت ستقول ذلك؟
لا تبحثوا لي عن الحسين في الرايات. ولا في الشعارات. ولا في استحضار كربلاء كلما احتاجت الخيانة إلى شرعية دينية.
وإذا أردتم أن تعرفوا أين كان الحسين سيقف، فلا تسألوا مَن يبكي عليه أكثر. اسألوا مَن يشبهه أكثر.
ثم إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى نفسه.
أنتم تقولون اليوم إنكم مع الدولة. والشيخ علي الخطيب نفسه قال أمام رئيس الجمهورية إن "السلاح ليس مقدّسًا"، وإن المقدّس هو وحدة البلد وكرامة الشعب وأمنه، بل قال إنّه لا يريد أن تكون علاقة الشيعة بالدولة عبر المجلس، وإنّما بالدولة مباشرة.
كلام ممتاز.
وأنا معه.
فلماذا لم تصبح هذه الدولة مرجعيتكم الوحيدة منذ عقود كان حزب الله خلالها يُمعن في تخريب لبنان وفي تشويه صورة الحسين بغطاء منكم؟
ولماذا تصبح كرامة الطائفة مستنفرة إلى حد النيابة العامة وشعبة المعلومات عندما يتكلم يوسف الخوري؟
لقد وجدتم محاميًا، وكتبتم شكوى، وذهبتم إلى النيابة العامة التمييزية، ووصل الملف إلى شعبة المعلومات لأن يوسف الخوري قال رأيًا!
فيا ليت كل بيت تدمر، وكل أرض تم الاعتداء عليها، وكل مواطن تهجّر، حظي باندفاعة قضائية أو مؤسساتية توازي الاندفاعة التي حظيت بها جملة قلتها أنا.
ثم افهموا شيئًا آخر جيدًا:
لبنان أعلى من مجلسكم الإسلامي الشيعي الأعلى.
وأغلى من أي مكوّن طائفي أو ديني على قلبي.
أنا ماروني وبفخر. لكن إذا تعارضت مصلحة طائفتي مع مصلحة لبنان، فلبنان أولًا. وإذا أخطأت مرجعيتي الدينيّة بحقّ لبنان، فسأقف مع لبنان ضد مرجعيتي.
هذه هي المواطنة التي أؤمن بها.
لذلك لا تنتظروا أن يأتيكم أحد باسمي ليسترضيكم، ولا أن يقوم أحد بجولة اعتذارات عني، ولا أن يشرح لكم أن يوسف "لم يكن يقصد". سبق أن شهد لبنان وساطات وزيارات لتطويق خلافات سياسيّة ودينيّة؛ ومنها زيارات الخوري عبدو أبو كسم إلى مجلس علي الخطيب موفدًا من البطريرك بشارة الراعي، فيما راح النائب فريد الخازن يبرّر الموقف الذي اتخذه الراعي.
أنا أعرف تمامًا ماذا أقصد.
لا أعتذر عن نقد سياسي. ولا أطلب إذن طائفة لكي أقرأ التاريخ. ولا أقبل أن يتحول الحسين إلى ملكية فكرية مسجلة باسم مؤسسة دينية تحدّد للبنانيين كيف يجوز لهم فهم كربلاء وكيف لا يجوز.
الحسين شخصية من تاريخ الإسلام والإنسان، وكربلاء حدث تاريخي قبل أن تكون رمزًا مذهبيًا. ومن حقّي أن أقرأها سياسيًا وعسكريًا، مثلما أقرأ واترلو وطروادة وأي معركة أخرى، وأن أخطئ وأن أصيب وأن يناقشني الآخرون.
ناقشوني. ردّوا عليّ. اهزموا حجتي بحجة.
أما النيابة العامة وشعبة المعلومات، فلن تحوّلا رأيًا ضعيفًا إلى رأي قويّ، ولا عقيدة إلى حقيقة تاريخية ملزمة لجميع اللبنانيين.
رفعتم عليّ دعوى دفاعًا عن الحسين؟
 
حسنًا.
أنا أيضًا أدافع عن الحسين.
لكنني أدافع عن الحسين الذي تحمّل ثمن قراره، لا عن اسمه عندما يُستخدم لتسويق قرار يدفع ثمنه الآخرون.
أدافع عن الحسين الذي سقى خصمه، لا عن كربلاء تتحول إلى شعار سياسي.
أدافع عن الحسين الإنسان، الشجاع، المسؤول عن خياره.
وأرفض أن يُستدعى من قبره بعد أربعة عشر قرنًا لكي يمنح أي حزب في لبنان شيكًا دينيًا على بياض لحرب جديدة.
فإذا كان هذا هو جرمي... أكملوا الدعوى.
وأنا سأكمل الكلام.
 
 
 
 
 
 


المصدر : Transparency News